Uncategorized

أطعمتُه بيدي،

 

كريم أولًا، وتبعته رانيا. انتظرتُ ثواني قليلة، ثم دخلتُ من الشرفة بعدما شعرت أن قلبي سيقفز من صدري من شدّة الخفقان. كانت الغرفة تفوح برائحة العطر الرجالي والدخان. أما السرير… فكان دافئًا. دافئًا كأن زوجي نهض منه قبل دقائق، لا كرجلٍ يفترض أنه غارق في غيبوبة منذ سنوات. اقتربتُ من الخزانة ودفعـت اللوح الخـ,ـشبي بحذر. كان الدرج يقود إلى قبوٍ لم أكن أعلم أصلًا بوجوده تحت المنزل. ومع كل درجةٍ كنت أنزلها… كنت أشعر أن جزءًا مني يتحـ,ـطّم. في الأسفل ظهرت غرفة واسعة مجهّزة بالكامل. أريكة فاخرة. ثلاجة صغيرة. ملاـ,ـبس رجالية. علب سجائر وسيجار. حاسوب مفتوح. وجدار كامل معلّق

عليه عشرات الملفات والأوراق. لم يكن مخبأً مؤقتًا… بل حياة كاملة مخفية داخل بيتي. رأيت صورًا لكريم داخل مطاعم وفنادق ومنتجعات بحرية، دائمًا ليلًا، يضع قبعة أو نظارة حتى لا يعرفه أحد. ورأيت إيصالات سفر. الممرضة الليلية التي تركت العمل فجأة في السنة الثانية، بعدما أخبرونا أن ابنها مرـ,ـض واضطرت للسفر إلى طرابلس. لم أسمع عنها شيئًا بعدها. فتح كريم درجًا قريبًا وأخرج حقيبة سوداء صغيرة. كان بداخلها هاتف قديم، وبعض الوصفات الطبية، وسلسال ذهب نسائي. تعرّفت إلى الهاتف فورًا. كان هاتف هناء. شعرتُ بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني. أما رانيا فبدت هادئة بشكلٍ مرعب، كأنها تناقش أمرًا عاديًا. — لا أريد أخطاء أخرى… ابني لن يولد وسط هذه الفوضى. اقترب كريم منها ولمس بطنها بحنان. ثم قال بابتسامة باردة: — ولن يولد فقيرًا أيضًا… سارة مدينة لنا بثلاث سنوات كاملة. في تلك اللحظة… مـ,ـات داخلي آخر جزءٍ كان يشعر بالذنب تجاهه. ذلك الذنب الذي جعلني أعتني به، وأدفع ثمن علاجه، وأخاف كل ليلة من أن ينقطع عنه جهاز الأوكسجين. لم أكن

أعتني بزوجٍ مرـ,ـيض… بل كنت أعيش داخل كذبة كاملة تتنفّس تحت سقف بيتي. تراجعتُ ببطء محاولةً الهـ,ـرب… لكن كعبي اصطدم بصندوقٍ معدني. صدر صوتٌ خافت. صغير… لكنه كان كافيًا. رفع كريم رأسه فجأة. — هل سمعتِ هذا؟ أغلقت رانيا الحاسوب بسرعة. أما أنا… فركضت نحو الدرج بأقصى ما أملك. صعدتُ متعثّرة، وخرجت إلى الغرفة ثم اندفعت نحو الشرفة قبل أن ينفتح الباب السرّي بعنف خلفي. ظهر كريم في الغرفة. حيًّا. غاضبًا. ويقف بثباتٍ كامل دون أي أثر لمرضٍ أو ضعف. ثم

قال بصوتٍ هادئ أخافني أكثر من الصراخ: — سارة… يمكنكِ التوقّف عن الاختباء الآن. كنتُ معلّقة بحافة الشرفة، وذراعاي تنزفان من الأشواك، بينما هاتفي يسجّل كل شيء داخل ملابسي. وفجأة… انفتح باب الفيلا في الأسفل بقوة. ودوّى صوت سعاد في أنحاء البيت: — مدام سارة! لا تتحركي… الشرطة وصلت! لا أعرف كيف نزلتُ من تلك الشرفة. كل ما أتذكّره… هو يد سعاد وهي تمسكني من خصري قبل أن أسقط، وبكاء فتاة شابة عند باب الفيلا، وصوت أقدام عناصر الشرطة وهم

يصعدون الدرج بسرعة. أما كريم… فحاول أن يعود إلى السرير ويتمدد من جديد. وكان ذلك أكثر شيءٍ مرعب ومثير للاشمئزاز رأيته في حياتي. بمجرّد أن سمع الأصوات في الأسفل، ألقى بنفسه فوق الفرـ,ـاش، وأغمض عينيه، ورتّب ذراعيه كأن جسده قادر على محو ما رأيته قبل دقائق. لكن صدره كان يعلو ويهبط بسرعة. وقميصه ما زال يحمل آثار الشراب. وقدماه كانتا متّسختين بغبار القبو. أما الدكتورة رانيا… فحاولت الهرب عبر الباب السرّي. لكن الشرطة أمسكت بها في الأسفل، وكانت لا تزال تحمل وحدة التخزين الصغيرة في يدها، بوجهٍ مصدوم لامرأة لم تتخيّل يومًا أن عاملة منزل بسيطة قد تدمّر حياتها بالكامل. ولم تكن سعاد قد اتصلت بالشرطة لمجرد الشـ,ـك. هي أيضًا بدأت تلاحظ أشياء غريبة منذ أسابيع. كأسًا زجاجية

تُغسل خفية. رماد سجائر في الحديقة الخلفية. وتغيّرًا غريبًا في ترتيب ملـ,ـابس كريم. لكنها لم تخبرني خوفًا من أن تجرحني أو تجعلني أنهار. إلى أن رأت رانيا تدخل ليلًا من الباب الخلفي بمفتاحٍ خاص، رغم أنني من المفترض أن أكون مسافرة إلى دبي. حينها فقط، اتصلت بفتاة تُدعى ليلى. كانت ليلى أخت المـ,ـمرضة هناء. ومنذ ثلاث سنوات، وهي تبحث عن شقـ,ـيقتها التي اختفت فجأة دون أثر. الجميع قال يومها إن هناء تركت العمل وسافرت إلى طرابلس بسبب مرض والدتها… لكن ليلى لم تصدّق ذلك أبدًا. قبل اختـ,ـفائها بساعات، أرسلت هناء رسالة ناقصة إلى أختها تقول فيها: “إذا حدث لي شيء… فابحثي داخل بيت آل حدّاد.” ثم اختفت. والقبو كشف كل شيء. هناك وجدوا ملاـ,ـبس، وأوراقًا مزوّرة، وكاميرات مراقبة مرتبطة بعدة غرف

داخل البيت، وأدوية تُستخدم لإظهار أعراض مـ,ـرضية وهمية، وتقارير طبية معدّلة. كما وجدوا خلف الخزائن فراـ,ـشًا مخفيًا… وحياةً كاملة كان كريم يعيشها بعيدًا عني. لم يكن يتظاهر بالغيبوبة فقط. بل كان يخرج ليلًا عبر نفقٍ صغير يصل القبو بمستودع قديم خلف الحديقة. كان يعيش حياتين. الأولى… رجلٌ مريض يرقد في سريري ويتلقى دعوات الناس وشفقتهم. والثانية… رجلٌ حرّ يسهر ويسافر وينفق أموالي بينما أعمل أنا لأؤمّن “علاجه”. أما رانيا… فكانت تزوّر التقارير الطبية، وتعدّل الأدوية، وتساعده في استمرار الكذبة. وكل من بدأ يشكّ… كان يختفي من البيت. وعندما قيّدوا يدي كريم بالأصفاد… توقّف أخيرًا عن التمثيل.

نظر إليّ بهدوء بارد وقال: — أنتِ لم تكوني لتتركي إدارة الشركة بسهولة… ذنبك كان الشيء الوحيد الذي يمكن السيطرة عليه. حينها فقط… فهمت الحقيقة. الحادث لم يكن بسبب سيارةٍ مفاجئة أو طريقٍ زلقة. كريم هو من تسبّب فيه عمدًا. كان غارقًا في ديون ضخمة، وأراد أن يختفي قانونيًا من كل شيء، ويجعلني أنا المسؤولة عن أمواله وعلاجه وشركته. لم يكن يخطّط لأن يُصاب فعلًا بتلك الخطورة، لكن الأشهر الأولى كانت حقيقية. وحين استفاق… واكتشف أنني ما زلت بجواره… حوّل

هو ورانيا المأساة إلى تجارة. أما أنا… فكنت الزوجة المثالية لهذا الاحتيال. امرأة يلتهمها الذنب، وتدفع المال بصمت، وتخاف أن تطرح الأسئلة حتى لا تبدو قاسية. ولم يكن التـ,ـعافي سهلًا بعد ذلك. لا أتحدث عن جروح ذراعي التي سببتها أشواك الجهنمية… بل عن تعلّمي كيف أمشي داخل بيتي دون أن أشعر أن الجدران تراقبني. بعتُ الفيلا بعد انتهاء التحقـ,ـيقات. لم

أستطع العيش فوق بيتٍ مليء بالأبواب السرّية والأكاذيب. وجاءت سعاد لتعيش معي عدة أشهر في شقـ,ـتي الجديدة، لا كخادمة… بل كرفيقة نجت معي من الكاـ,ـبوس نفسه. أما ليلى… فواصلت البحث عمّا حدث لشقيقتها هناء. وساعدتها بكل ما أملك من مال ومحامين ووثائق. كان ذلك أقل ما أستطيع فعله. فهناء رأت الجحـ,ـيم قبلي… ولهذا لم تعد أبدًا.

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى