
يا مروان أعلم أنك ظننتَ طوال هذه السنوات أنني لم أقدّم شيئًا، لكن كل لقمة أطعـ,ـمتني إياها كانت السبب الذي جعلني أخفي كل شيء باسمك. واصل المحامي القراءة. أما أنا فلم أعد قادرًا على الحركة. كانت سعاد تمسك يدي بقوة، لكن أصابعها كانت باردة كأن الدـ,ـم توقف فيها. أما سامي فضحك ضحكة قصيرة متوترة، تلك الضحكة التي يطلقها الإنسان حين يشعر أنه خسر شيئًا مهمًا قبل أن يفهم ما هو بالضبط. على مدى عشرين عامًا، سمعتُ شكواك يا مروان. لا تظن أنني لم أسمع. سمعتك حين قلت إنني أشغل الغرفة التي يحتاجها أولادك. وسمعتك حين كنت تعدّ النقود لتشتري دوائي. وسمعتك
-
اكتشفتُ أن زوجي …منذ 3 أسابيع
-
فستان الفرح 1 حكايات زهرةمنذ 3 أسابيع
-
ابنها رفع غطا حلة الفولمنذ 4 أسابيع
-
رواية من الواقعمنذ 4 أسابيع
يوم بعت سيارتك وعدتَ ماشيًا تحت شمس دمشق، وحذاؤك مغطى بالغبار.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
وتذكرتُ ذلك اليوم جيدًا.
كنتُ قد خرجت من الورشة قرب سوق الحريقة منهكًا، والعرق يلتصق بظهري، ورائحة الزيوت المحـ,ـترقة عالقة في ملـ,ـابسي.
كان الحاج محمود جالسًا في الساحة حين وصلت.
رفع رأسه نحوي وقال
هل أعدّ لك كوب شاي يا ولدي؟
لكنني كنت غاضبًا يومها أكثر من اللازم.
فقلتُ بحدّة
الأفضل أن تعطيني مالًا بدل الشاي.
خفض رأسه فورًا.
ولم يرد.
أما أنا
فشعرتُ وقتها أنني قلت الحقيقة التي يجب أن تُقال.
أما الآن
فكانت تلك الحقيقة نفسها تحـ,ـرقني من الداخل.
واصل المحامي القراءة
وأعلم أيضًا أنك، رغم غضبك، لم تترـ,ـكني يومًا بلا طعام. لم ترمِني في دار للمسنين. لم تغلق الباب في وجهي. وحين كان أبنائي يأتون فقط ليسألوا إن كنتُ قد مت بعد كنتَ أنت من يذهب إلى الصيدلية المناوبة.
ضرب سامي الطاولة بعـ,ـنف
هذه مسرحية سخيفة!
رفع المحامي نظره نحوه وقال
السيد سامي، والدك ترك تعليمات واضحة. إذا قاطعتَ القراءة مرة أخرى، فسنكملها أمام القاضي.
صمت سامي
لكن الغضب جعل وجهه أحمر داكنًا.
أما أنا
فكانت عيناي معلقتين بذلك الدفتر الأزرق القديم.
كان ممتلئًا بالأرقام والتواريخ والكلمات المرتـ,ـجفة.
الغاز دفعه مروان.
عملية المياه البيضاء مروان باع سيارته.
الشتاء مروان اشترى بطانية وقال إنها هدية من سعاد.
أحمد رسوم الجامعة مروان لم يتعشَّ تلك الليلة.
أحمد
ابني الأكبر.
نظرتُ إليه واقفًا قرب الباب، وقد أصبح رجلًا كاملًا الآن، بلحية خفيفة وعينين حمراوين.
أما نور
فكانت تقف خلفه بصمت.
كلاهما كبر وهو يسمعني أصف الحاج محمود بأنه عبء.
وكلاهما تعلّم مني تلك الكلمة القاسية.
عبء.
أخرج المحامي عدة صور قديمة.
في إحداها ظهر الحاج محمود شابًا قويًا، يقف قرب شاحنة محمّلة بأكياس الخضار.
وفي صورة أخرى كان يقف داخل سوق الهال، يبتسم وهو يحمل صناديق البندورة والفليفلة.
لم يكن الرجل الهزيل الذي عاش في بيتي.
بل رجلًا قويًا
بعينين مليئتين بالحياة.
تنهد المحامي وقال
كان الحاج محمود يملك ثلاث مستودعات صغيرة في المنطقة التجارية القديمة، إضافة إلى أرضين ور
ثهما عن والده. وقد استمر بتأجيرها عبر مكتبنا القانوني طوال السنوات الماضية.
وقف سامي فجأة
كذب! أبي لم يكن يملك شيئًا لقد بحثنا في كل شيء!
أجابه المحامي
بحثتم عمّا أراد لكم أن تجدوه فقط.
وضعت سعاد يدها على صدرها بصدمة
أبي كان يملك أملاكًا فعلًا؟
قال المحامي بهدوء
لم يكن يملك أملاكًا فقط يا سيدتي بل كان يملك ذاكرة قوية جدًا.
فتح ملفًا آخر وقال
ترك المنزل الذي تسكنون فيه باسم الأستاذ مروان السالم. كما ترك حساب توفير لأحفاده أحمد ونور، ومبلغًا مخصصًا لإصلاح السقف، وتسديد الديون، وإغلاق القرض الذي أخذه مروان من أجل عملية المياه البيضاء.
شعرتُ أن الهواء اختفى من الغرفة.
قلتُ بصوت مبحوح
لا هذا مستحيل.
رفع المحامي عينيه نحوي
ليس مستحيلًا. الحاج محمود وقّع كل شيء بكامل وعيه، وهناك تسجيلات وشهود وتقارير طبية تثبت ذلك.
ضحك سامي بسخرية
وإذا كان يملك كل هذا، فلماذا تظاهر بالفقر؟ لماذا ترك هذا الأحمق يصرف عليه عشرين سنة؟
في يوم آخر
كانت تلك الكلمة ستشعل غضبي.
لكن ليس ذلك اليوم.
لأنني أنا أيضًا أردت أن أعرف السبب.
عاد المحامي إلى الرسالة
ستغضب مني لأنني لم أُخرج المال مبكرًا ومن حقك ذلك. لكن أولادي أخذوا مني البيت الأول بعد وفاة زوجتي. وثقتُ بهم فوقّعت الأوراق فتركوني بلا شيء ظاهر. ولو علموا أنني ما زلت أملك شيئًا، لأغلقوا عليّ بابًا في مكان لا يسأل فيه أحد عن العجائز.
بدأت سعاد تبكي.
ليس كما بكت في الجنازة
بل بكاء امرأة اكتشفت أنها لم تكن ترى الحقيقة كاملة.
لهذا السبب لم أرد لأحد أن يعلم. حتى أنتِ يا سعاد سامحيني يا ابنتي. قلبك كان طيبًا أكثر مما ينبغي، وسامي كان يعرف كيف يستغل ذلك.
اقترب سامي من المحامي غاضبًا
ذلك العجوز لم يكن بكامل عقله.
وهنا فقط
تكلمت نور لأول مرة
لا تقل عنه عجوز بهذه الطريقة.
خرج صوتها مرتجفًا لكنه ثابت.
استدار سامي نحوها
اصمتي أنتِ.
لكن أحمد وقف أمام أخته فورًا
أنا.
أقساط مدرسة نور.
إصلاح الثلاجة.
دفعة القرض المتأخرة.
رسوم جامعة أحمد.
رفعت رأسي نحو المحامي
لكنني أنا من دفع كل ذلك.
قال بهدوء
أحيانًا نعم وأحيانًا كان الحاج محمود يدفع ما ينقص بصمت. لم يكن يريدك أن تعرف.
شعرتُ أن صدري يضيق
كيف؟
كان يبيع بعض القطع القديمة، ويقبض الإيجارات، ويغطي الفرق عبر أصحاب الدكاكين. حتى أم نبيل، صاحبة البقالة، كانت تعرف الأمر.
وتذكرتُ أم نبيل فورًا.
كم مرة قالت لي
ادفع لاحقًا يا مروان.
وكنت أظن أنها تشفق عليّ.
بينما كان الحاج محمود يقف خلف كل شيء
صامتًا.
كما عاش دائمًا.
عاد المحامي إلى الرسالة
لم أرد شراء محبتك بالمال. أردت فقط حماية ما تبقى منك. نعم، كنتَ قاسيًا أحيانًا لكنك لم تكن شريرًا. هناك رجال يتحول تعبهم إلى وحشية. أما أنت، فتحول إلى مرارة فقط وذلك كان يمكن إصلاحه.
غطيت وجهي بيدي.
لم أرد البكاء أمام سامي.
لكنني بكيت.
ركعت سعاد بجانبي
مروان
همستُ بصوت محطم
قلتُ عنه عبئًا قلتها مرات كثيرة.
ضمتني سعاد بقوة
وأنا أيضًا تركته وحيدًا مرات كثيرة خوفًا من المشاكل، وخوفًا من إخوتي، وخوفًا منك.
ضحك سامي بسخرية
جميل أصبحتم جميعًا ملائكة الآن. لكن الإرث لنا، نحن أولاده.
أغلق المحامي الملف وقال
وقد ترك لكم شيئًا بالفعل.
انتبه سامي فورًا.
واقترب إخوته من الطاولة بلهفة واضحة.
أخرج المحامي ثلاثة ظروف بيضاء.
ثم قال
رسالة لكل واحد منكم وليرة واحدة فقط.
تجمد سامي
ماذا؟!
قال المحامي
الحاج محمود أوصى بذلك بنفسه. قال إنها ليست نسيانًا بل رمزًا.
تشوه وجه سامي من الغضب
سأطعن في الوصية!
هذا حقك.
وسأثبت أن مروان تلاعب به!
نظر المحامي حوله
إلى الجدران الرطبة، والسقف المتشقق، والبيت البسيط الذي عشت فيه سنوات طويلة.
ثم قال بهدوء
أتمنى لك حظًا جيدًا في إقناع القاضي أن الرجل الذي اشتكى عشرين عامًا من مصاريف حمايه كان يخطط للاستيلاء على أملاكه.
انقض سامي نحو الطاولة بغضب.
لكن أحمد أمسكه قبل أن يصل إليّ.
تعالت الأصوات.
وتحركت الكراسي بعـ,ـنف.
وبدأت سعاد تبكي.
أما نور
فكانت ترتـ,ـجف من الخوف والغضب معًا.
وأشار سامي نحوي
كنتَ دائمًا فقيرًا وجائعًا لهذا اختارك أبي!
وقفتُ أخيرًا.
ولأول مرة منذ سنوات
لم أعد أخاف من قول الحقيقة.
قلتُ بهدوء
لم يخترني لأنني الأفضل بل لأنكم كنتم الأسوأ.
ساد الصمت بعدها طويلًا.
حتى سامي نفسه
لم يجد ما يقوله.
غادر البيت وهو يلعـ,ـن ويهدد بالمحاكم.
أما إخوته فتبعوه بصمت ثقيل.
وحين أُغلق الباب أخيرًا
شعرتُ أن البيت كله أصبح فارغًا بشكل مختلف.
ليس فراـ,ـغ مـ,ـوت الحاج محمود
بل فراغ الحقيقة بعد انكشافها.
نظر المحامي نحوي وقال
بقي جزء أخير من الرسالة.
جلستُ بصعوبة.
أما سعاد
فجلست إلى جانبي تمسح دموعها بصمت.
فتح المحامي الصفحة الأخيرة وقرأ
يا مروان لا أترك لك هذا المال حتى تشعر أنني سامحتك، فأنا لست نبيًا ولا ملاكًا. أتركه لك لأنك بقيت. بقيت رغم تعبك، ورغم غضبك، ورغم كلماتك القاـ,ـسية أحيانًا. هناك رجال يهـ,ـربون حين يثقل البيت أما أنت فبقيت، حتى وأنت تتذـ,ـمر.
اختنق صوتي داخل صدري.
وأكمل المحامي
أصلح السقف. سدّد ديونك. واشترِ سيارة جديدة إن أردت. لكن أهم شيء إذا جلس عجوز يومًا على مائدتك ولم يستطع الدفع، فتذكرني قبل أن تسميه عبئًا.
لم أعد أستطيع رفع رأسي.
خرجتُ إلى الساحة الخلفية بعد مغادرة الجميع.
كان كرسي الحاج محمود ما يزال في مكانه قرب المغسلة.
وراديوه القديم صامت لأول مرة منذ عشرين عامًا.
جلستُ على كرسيه ببطء.
لأول مرة.
طوال تلك السنوات كنت أظن أنه سـ,ـرق مني مكاني.








