Uncategorized

زوجتي كانت تستحم مرتين كل ليلة

زوجتي كانت تستحم مرتين كل ليلة، ولفترة طويلة كنت مقتنع إن الموضوع مجرد اهتمام زائد بالنظافة.

أماكا كانت دايمًا هادئة بشكل غريب، رقتها مش طبيعية، صوتها واطي، خطواتها محسوبة، كأنها ماشية على أرض قابلة للكسر. كنا متجوزين بقالنا خمسة شهور، وكل ليلة تتكرر بنفس الشكل: عشا بسيط، كلام قليل، ابتسامة سريعة، شوية وقت على الموبايل، وبعدها تقوم تدخل الحمام من غير ما تقول حاجة.

تطلع بعد وقت، تقول لي «تصبح على خير»، وتنام بسرعة.

وأنا؟ أفضل صاحي شوية، بسأل نفسي أسئلة ما لقيتش لها إجابة.

اسمي زيد، 31 سنة، بشتغل في تصميم المطابخ. حياتي كانت مستقرة قبلها، لكن هادية زيادة عن اللزوم. أول مرة شفت أماكا كان في معرض أثاث، واقفة قدام كراسي خشب، بتمرر إيديها على الحواف كأنها بتتأكد إن الحاجة دي مش هتجرحها. سألتني سؤال بسيط، لكن إحساسي وقتها قال لي إن البنت دي شايلة حكاية تقيلة.

بعد الجواز، التفاصيل الصغيرة بدأت تقلقني. صمتها، توترها من الأصوات المفاجئة، نظرتها للباب قبل ما تقفله، وحتى طريقتها في الجلوس. كنت أقول لنفسي: عادي، محتاجة وقت. بس الحمام التاني كل ليلة كان علامة استفهام كبيرة.

لاحظت كمان إنها بتتجنب المرايا الكبيرة، وإنها بتفضل تقعد في الأركان مش في نص الأوضة. لما كنا بنتمشى في الشارع، كانت دايمًا بتبص ورا كتير، وتتأكد إن محدش ماشي وراينا. ولما كان التليفون بيرن، كانت بترتعش لثانية قبل ما تشوف الرقم. كل التفاصيل دي كانت بتقول حاجة، لكن أنا ما كنتش فاهم إيه بالظبط.

في ليلة رجعت متأخر، لقيتها قاعدة في الصالة، قدام تلفزيون مطفي. سألتها: «مالك؟» قالت: «مفيش»، بس صوتها كان مكسور. لما دخلت الحمام، سمعت صوت المية طويل وثابت، كأنه بيحاول يغرق حاجة جواه. خرجت وعينيها تعبانة، قعدت جمبي من غير كلام، فسألتها بهدوء.

قالت إنها بتخاف من الذكريات، وإن الليل أكتر وقت بيهجم عليها، وإن الحمام التاني بيديها إحساس مؤقت إنها قدرت تسيطر. وقتها فهمت إن المسافة اللي بينا مش بإيديها، دي نتيجة حاجة أقدم مني ومن الجواز كله.

من اليوم ده، حياتنا اتغيرت. بقت تحكي شوية وتسكت شوية، تعتذر من غير سبب، والحمام التاني بقى أطول وأهدى. أحيانًا كانت تدخل من غير ما تشغل المية، تقعد بس. بدأت تصحى من النوم متوترة، وأنا قاعد جنبها من غير ما أسأل، لأن بعض الأسئلة بتوجع أكتر ما بتفيد.

وفي يوم، وأنا بنضف الدولاب، لقيت ظرف قديم مستخبي بعناية. ما فتحتهوش، بس قلبي شد. حسيت إن في فصل كامل لسه ما اتقالش.

من اللحظة دي، بقيت حاسس إن اللي سمعته منها كان مجرد البداية.

في ليلة هادية، بصّت لي وقالت: «في حاجة لو عرفتها… ممكن تغير كل اللي إنت فاكره عني».

قلت لها بهدوء: «قولي».

سكتت، ومسكت إيدي بقوة، وكأنها بتاخد شجاعة مش بتاعتها.

في اللحظة دي فهمت إن اللي جاي مش مجرد اعتراف عابر، ده باب لو فُتح مش هيتقفل تاني.

خدت نفس عميق وبدأت تحكي.

قالت إنها قبل ما تعرفني، كانت عايشة حياة تانية خالص. كان ليها شغل في مكتب محاماة، وكانت شخصيتها أقوى، وصوتها أعلى، وضحكتها مسموعة. كانت واثقة في نفسها، بتحلم بمستقبل كبير، وعندها دايرة أصحاب واسعة.

لحد ما قابلت واحد اسمه كريم.

في الأول كان شخص عادي، زميل في الشغل، بيساعدها في الملفات، بيسألها عن يومها، بيبعتلها رسايل لطيفة. بعد شهرين، بقوا قريبين. وبعد أربع شهور، اتخطبوا.

لكن بعد الخطوبة، بدأ يتغير.

كل تفصيلة صغيرة بقت تحت السيطرة: لبسها، أصحابها، مواعيد خروجها، حتى طريقة كلامها. كان بيقول إن ده حب، إن ده خوف عليها، إن العالم بره خطر وهو الوحيد اللي عايز مصلحتها. وهي، بسبب الحب اللي كانت حاساه وقتها، صدقته.

في الأول كانت التعليقات خفيفة: “الفستان ده مش مناسبك”، “صاحبتك دي مش كويسة ليكي”، “ليه بتتكلمي مع زمايلك في الشغل كتير؟”. كانت بتعتبرها نصايح عادية. لكن بالتدريج، النصايح بقت أوامر. والأوامر بقت تهديدات مقنّعة. كان بيقولها: “لو بتحبيني فعلاً، مش هتعملي كده”، أو “أنا بس خايف عليكي، الناس بره وحشين”. وبكده، عزلها عن كل حد حواليها.

لحد ما بدأ يرفع صوته.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى