Uncategorized

أرضعتُ طفل زوجي السابق بعد زوجته أثناء الولادة

ثم تجمّد جسدي بالكامل.
ظللتُ أحدّق في سوار المستشفى وكأن الأرقام المكتوبة عليه ستتغير إذا رمشتُ بعيني.
مستشفى الخرطوم بحري.
نفس المستشفى.
نفس الشريط الأبيض الرخيص الذي ما زلتُ أحتفظ بمثله داخل صندوق صغير تحت سريري.
شعرتُ بشيء يضغط على صدري بقوة.
ليس خوفًا.

بل ذلك النوع من الألم الذي يأتي حين يحاول القلب الهرب من الذكرى ويفشل.
رفعتُ عيني نحو مأمون ببطء.
كان واقفًا قرب الباب، متيبسًا، وكأنه يعرف تمامًا ما الذي رأيته.
سألته بصوت خرج أضعف مما أردت

مقالات ذات صلة

لماذا هذا الطفل من نفس المستشفى؟
بلع ريقه.
ثم قال سريعًا
أغلب الولادات في بحري صارت هناك هذه الأيام.
لكنه لم ينظر في عيني وهو يقولها.
عدتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة.
وجهه هادئ.
كأنه لا يعرف أنه دخل بيتًا مليئًا بالخسارات.
جلستُ ببطء على الكنبة وأنا ما زلتُ أحمل السوار بين أصابعي.
ثم همست
كيف عرفت أنني ما زلتُ أستطيع الإرضاع؟
ساد الصمت.
طويلًا.
ثقيلاً.
حتى صوت المطر بالخارج بدا كأنه توقف ليستمع.
خفض مأمون رأسه وقال أخيرًا
أمي أخبرتني.

شعرتُ بشيء يغلي داخلي.
الحاجة آمنة؟
أومأ برأسه.
كانت عندكم يوم العزاء وبعدها قالت لي إنكِ بقيتِ وحدك بعد ما عادل تركك.
كلمة العزاء وحدها كانت كافية لتعيد كل شيء.
النساء وهن يجلسن فوق الحصير في الحوش.
رائحة القهوة الثقيلة.
صوت القرآن القادم من التلفاز الصغير.
وجاراتي وهن يهمسن كلما مررت
الله يصبرها كانت مجهزة له كل شيء.

حتى سرير طه الصغير، غطّته خالتي بشرشف أبيض يومها حتى لا يراه أحد.
ارتجفت يدي.
لكن مأمون أكمل بسرعة
والله يا مريم ما جئت لأستغلك أنا فقط لم أعرف أين أذهب.
ضحكتُ بمرارة.
فقلت لنفسك إن المرأة التي دفنت طفلها منذ ثلاثة أشهر ستفتح الباب وترضع ابن زوجتك؟
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
وكان يبدو محطمًا بشكل لم أره فيه من قبل.
لم أفكر هكذا.
لكنني لم أصدقه.
على الأقل ليس وقتها.
لأن المرأة حين تُكسر تصبح حساسة من أي شيء
وقفتُ فجأة.
خذ ابنك واخرج.
تحرك الطفل قليلًا وهو نائم، فخفضتُ صوتي فورًا.
لكن مأمون لم يتحرك.
بقي واقفًا مكانه كأنه لم يعد يملك القوة حتى على المشي.
ثم قال بصوت خافت

أهل ست البنات أخذوا كل شيء.
نظرتُ إليه بصمت.
جلس ببطء على طرف الكرسي الخشبي ومسح وجهه بيد مرتجفة.
بعد الدفن مباشرة أخوها الكبير جاء مع أعمامها أخذوا ذهبها وقالوا إنني السبب في موتها.
لم أعلّق.
لكنه أكمل وكأن الكلام ظل محبوسًا داخله أيامًا طويلة.
أمها رفضت حتى أن آخذ ملابس الطفل من بيتهم وقالت إن الولد دخل عليهم بالشؤم.
أغمض عينيه للحظة ثم قال
تخيّلي جدته لم تحمله حتى مرة واحدة.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
هذه الكلمات تُقال أحيانًا في بعض البيوت القديمة فعلًا.
حين تموت امرأة أثناء الولادة

يبحث الناس عن أي شيء يحمّلونه الذنب.
حتى لو كان رضيعًا لم يفتح عينيه بعد.
نظرتُ نحو الطفل.
كان صغيرًا جدًا على أن يُكرَه بهذه السرعة.
قال مأمون بصوت مبحوح
منذ أربعة أيام وأنا لا أنام كلما غفوت أخاف أن ينقطع نفسه لا أعرف كيف أحمّمه ولا كيف ألفّه بالقماش أمس اتصلت حتى على جارتي العجوز كي تعلمني كيف أغيّر له.
ثم رفع عينيه نحوي وأضاف
وعندما قالت لي أمي إنكِ
سكت.
لكنه لم يحتج أن يكمل.

فهمت.
حين قالت له إن صدري ما زال ممتلئًا بالحليب.
في تلك اللحظة كرهته.
وكرهت نفسي أكثر لأن الطفل كان قد هدأ فعلًا بعد الرضاعة.
وكأن جسدي كان ينتظره.
اقتربتُ من البطانية الصغيرة.
ركعتُ بجانب الطفل.
كانت رائحته تشبه رائحة الأطفال الجدد
الحليب
والصابون الطبي
والدفء.
الرائحة نفسها التي بقيت أيامًا طويلة في ملابس طه بعد دفنه.
شعرتُ بأن الدموع تحرق عيني.
أن يفتح الباب، التفت نحوي وقال
جزاكِ الله خيرًا يا مريم.
لكنني لم أرد.

كنتُ قد تعبت من الكلمات منذ مات طه.
خرج مأمون أخيرًا.
وعاد البيت إلى صمته القديم.
ذلك الصمت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان.
وقفتُ وحدي وسط الغرفة.
ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا عليها قبل دقائق.
كانت البطانية ما تزال هناك.
صغيرة.
دافئة.
اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب.
وهنا انهرت.

جلستُ على الأرض أبكي بصمت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي.
في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل.
كعادتي منذ موت طه.
النوم صار شيئًا غريبًا عني.
أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر.
هل كان سيشبهني؟
أم يشبه عادل؟
هل كان سيضحك كثيرًا؟
هل كان سيحب صوت المطر؟

أسئلة بلا إجابات.
قمتُ بهدوء.
أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي.
رائحة الهيل بدأت تملأ البيت.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي.
ذلك الصوت وحده كان يمنعني من الانهيار الكامل أحيانًا.
بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق.
نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء.
وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.
الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر قلبك.
وهذا أكثر ما كان يوجعني.
كيف يموت طفل
ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟
جاء مأمون بعد العصر تمامًا.
كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى

.
ترددتُ قبل أن أفتح الباب.
لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
ثم مدّ الكيس نحوي.
أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة.
نظرتُ إليه باستغراب.
قال بسرعة
قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.
للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي.
الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي، حتى بعد الطلاق.
أخذتُ الكيس بصمت، ثم حملتُ الطفل من بين ذراعيه.
وفور أن ضممته إلى صدري، هدأ.
تمامًا كما حدث بالأمس.
راقبني مأمون طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض
سبحان الله كأنه يعرفك.
تجاهلتُ كلامه وجلستُ على الكنبة.
لكن الحقيقة أن قلبي ارتجف.
لأنني أنا أيضًا بدأتُ أشعر أنني أعرفه.
مرت الأيام بعد ذلك بطريقة غريبة.
صار مأمون يأتي كل عصر تقريبًا.
أحيانًا يبقى ساعة.
وأحيانًا أقل.
كان يجلس بصمت أغلب الوقت، يشرب الشاي، بينما أرضع الطفل أو أحمله حتى ينام.
وفي كل مرة كان يغادر

كان البيت يعود أكثر وحدة من قبل.
بدأتُ ألاحظ تفاصيل صغيرة.
كيف ينام الطفل واضعًا يده قرب أذنه.
كيف يفتح فمه قليلًا أثناء النوم.
كيف يبحث عن صوتي إذا ابتعدتُ عنه.
وفي كل مرة كنتُ أقول لنفسي
لا تتعلقي به يا مريم.
لكني كنتُ أتعلق أكثر.
ذات مساء، بعدما غادر مأمون، اكتشفتُ أن قطعة القماش الصغيرة التي يلف بها الطفل بقيت فوق الكنبة.
حملتها لأعيدها غدًا.

لكنني بقيتُ دقائق طويلة أضمها إلى صدري.
أشمّ رائحته.
ثم أبكي.
بعد نحو أسبوع، كنتُ جالسة بعد المغرب أرتب ملابس طه الصغيرة داخل الصندوق الخشبي، حين دوّى طرق قوي على الباب.
ظننتُ أن مأمون عاد لأنه نسي شيئًا.
لكن عندما فتحتُ الباب
وجدتُ رجلًا غريبًا يقف أمامي.
كان يرتدي جلابية بيضاء ويحمل ظرفًا بنيًا.
سألني أنتِ مريم عبد الرحيم؟
أومأتُ بصمت.
فمدّ الظرف نحوي وقال
ورق من المحكمة الشرعية.

شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
أخذتُ الظرف بيد مرتجفة.
ثم غادر الرجل بهدوء.
أغلقتُ الباب ببطء.
وبقيتُ واقفة في منتصف الصالة أحدّق في الظرف وكأنني أعرف ما بداخله.
جلستُ أخيرًا على الكنبة.
ثم فتحته ورقة طلاق.
عادل طلّقني رسميًا.
حتى دون أن يأتي بنفسه.
حتى دون أن يسأل كيف أعيش وحدي بعد موت ابني.
شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري.
وظللتُ أحدّق في اسمي المكتوب أعلى الورقة.
مريم عبد الرحيم.
ثم أسفلها مباشرة
مطلقة.
ضحكتُ فجأة. ضحكة قصيرة ومكسورة.
ثم بدأتُ أبكي.
ليس بسبب عادل وحده.

بل لأنني شعرتُ فجأة أن الدنيا كلها تُغلق أبوابها في وجهي مرة واحدة.
طفلي مات وزوجي تركني.
وطليقي يعود كل يوم بطفل امرأة أخرى كي أرضعه.
حتى حياتي نفسها لم تعد تشبهني.
وضعتُ الورقة فوق الطاولة.
ثم بكيتُ بصوت عالٍ لأول مرة منذ شهور.
بكاء امرأة تعبت من محاولة الصبر.
امرأة بدأت تصدّق فعلًا أنها بلا حظ.
وفي وسط بكائي
في الأمام داخل الركشة، بينما بقيتُ أنا في الخلف أضم الطفل إلى صدري وأقرأ عليه المعوذات بصوت مرتجف.
كلما تأوّه
كنتُ أشعر أن قلبي يُعصر.
وصلنا إلى مستشفى بحري بعد منتصف الليل.
الرائحة نفسها.

الممرات نفسها.
حتى صوت الممرضات أعاد إليّ تلك الليلة التي فقدتُ فيها طه.
توقفتُ فجأة عند الباب.
وشعرتُ أن قدميّ لم تعودا قادرتين على الحركة.
لاحظت الحاجة آمنة ذلك، فوضعت يدها على كتفي وقالت بهدوء
ادخلي يا بنتي ربنا ما بكرر الوجع مرتين.
لكنني كنتُ خائفة.
خائفة من المستشفيات.
من الأسرّة البيضاء.
من كلمة
البقاء لله.
دخل الطبيب سريعًا وأخذ الطفل من بين ذراعي.
وحين ابتعد عني
شعرتُ كأن شيئًا يُنتزع من صدري بالقوة.

جلستُ على الكرسي المعدني البارد وأنا أرتجف.
أما مأمون، فكان يمشي ذهابًا وعودة بطريقة مجنونة.
يمرر يده فوق رأسه كل دقيقة.
وكلما فتح باب الغرفة، يرفع رأسه بفزع.
لأول مرة
لم أره كرجل كسرني قديمًا.
بل كرجل خائف فقط.
رجل يخشى أن يفقد آخر شيء تبقى له.
بعد نحو ساعة، خرج الطبيب أخيرًا.
قال إن الطفل أُصيب بالتهاب حاد بسبب ضعف التغذية، لكنه سيكون بخير إن شاء الله.
شعرتُ بأن الهواء عاد إلى صدري دفعة واحدة.

أما مأمون
فجلس فوق أقرب كرسي وأخفى وجهه بين يديه.
كان يبكي.
بصمت.
تلك المرة لم أشعر بالغضب منه.
ولا الكره.
فقط
التعب.
اقتربتُ منه ببطء.
ثم قلت
الحمد لله.
رفع رأسه نحوي.
وعيناه حمراوان من السهر والبكاء.
وقال بصوت مكــ,سور
كنتُ خائفًا أن أمـــ,وت أنا أيضًا لو جرى له شيء.
ساد الصمت بيننا طويلًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى