
جارتي فضلت ترمي زبالتها قدام بيتي، لمجرد إنها مش عايزة تدفع فلوس جمع القمامة، وفي الآخر اضطريت أعلّمها درس عمرها ما هتنساه.
أنا عندي 55 سنة، وبعد سنين طويلة من التوفير، بعت بيتي القديم وقدرت أخيرًا أشتري بيت جديد في منطقة هادية وراقية في ضواحي القاهرة.
من أول ما نقلت، اتعرفت على معظم الجيران وبقيت علاقتي كويسة بيهم، ما عدا جارتي سماح.
سماح كانت من النوع اللي شايف إن كل حاجة حواليها من حقها. كانت بتسيب ولادها يجروا في جنان وبيوت الجيران، ومرة شالت أصيص الورد من عند شباكي عشان “مش عاجبها شكله”. ومرة تانية دخلت الجراج بتاعي من غير استئذان وأخدت شوية عِدَد من غير حتى ما تسألني.
كنت بحاول أتجنب المشاكل وأقول لنفسي: “معلش، الواحد يعيش في حاله.”
لكن في يوم، الموضوع وصل لحد مش ممكن أسكت عليه.
في صباح يوم، خرجت من البيت عشان أحط كيس الزبالة في الصندوق، لكن لقيت كيسين زبالة كبار مرميين جنب صندوق الزبالة بتاعي.
في الأول ما اهتمتش.
قلت يمكن حد حطهم بالغلط.
لكن بعد يومين، خرجت لقيت أكياس زبالة تانية مرمية جنب سور بيتي.
مش جوه الصندوق…
لأ، مرمية على الأرض جنب الجنينة!
وفي اليوم اللي بعده، لقيت كومة أكبر من أكياس الزبالة متكومة قدام بيتي.
الموضوع بقى مستفز جدًا، فقررت أعرف مين اللي بيعمل كده.
تاني يوم، قعدت جنب الشباك وفضلت أراقب من بعيد.
وبعد شوية، شفت سماح خارجة من بيتها وهي شايلة أكياس زبالة كبيرة.
بصت حواليها، ولما اتأكدت إن محدش شايفها، قربت من بيتي وحطت الأكياس جنب صندوق الزبالة بتاعي بمنتهى البرود.
ساعتها ما قدرتش أتمالك نفسي.
خرجت لها بسرعة وقلت:
“سماح! إنتِ بترمي زبالتك عندي ليه؟!”
بصت لي بمنتهى اللامبالاة وقالت:
“وإيه يعني؟ ما إنتِ عندك صندوق زبالة أهو.”
قلت لها وأنا بحاول أهدى:
“أنا بدفع فلوس عشان الزبالة بتاعتي تتشال. إنتِ كمان ادفعي وخلي الزبالة بتاعتك تتشال من عند بيتك.”
ضحكت وقالت:
“يا ساتر! إنتِ بخيلة أوي! هو كام كيس زبالة هيعملوا لكِ إيه؟”
وبكل غرور كملت:
“أنا أفضل أصرف الفلوس دي على مناكير وباديكير بدل ما أدفعها في حاجة مش مهمة!”
اتصدمت من كلامها.
سماح وجوزها حالتهم المادية كويسة جدًا. جوزها دكتور أسنان، وعندهم فلوس تكفيهم وزيادة.
لكن واضح إن الموضوع ما كانش موضوع فلوس…
كان موضوع إنها عايزة توفر على حسابي أنا.
بصيت لها شوية، وبعدها ابتسمت بهدوء وقلت:
“خلاص يا سماح، عندك حق. ارمي زبالتك جنب صندوقي براحتك.”
بصت لي باستغراب.
وقبل ما تسأل، قلت لها:
“بس بشرط واحد.”
قالت:
“شرط إيه؟”
ابتسمت وقلت:
“كل كيس زبالة تحطيه عند بيتي من النهارده… هيرجعلك عند بيتك.”
وشها اتغير فجأة.
وقالت:
“إنتِ بتهزري؟!”
رديت بهدوء:
“لأ… المرة دي أنا بتكلم جد.”
لكن سماح ما كانتش تعرف إن اللي في دماغي أكبر بكتير من مجرد إني أرجع لها الزبالة.
لأني كنت ناوية أخليها تدفع تمن كل كيس رمتُه قدام بيتي… بس بطريقة هي نفسها ما كانتش تتوقعها.
وفي اليوم التالي، أول ما سماح خرجت من بيتها…
بدأت خطتي.
الفصل الثاني: الانتقام البارد
سماح دخلت بيتها وهي فاكرة إنها كسبت المعركة، وإن كلمتي دي مجرد تهديد في الهواء، ست كبيرة وعايزة تعمل فيها قوية وخلاص. لكنها ما تعرفش إن السنين اللي عشتها في تجميع القرش فوق القرش عشان أشتري البيت ده، علمتني الصبر، وعلمتني إزاي أخطط لكل خطوة بهدوء من غير عصبية ملهاش لازمة.
تاني يوم الصبح، وقبل ما الشمس تطلع كويس، كنت واقفة على باب بيتي لابسة الجوانتي بتاعي، ومحضرة كل أدواتي. بصيت للكومة اللي سماح سبتها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا باخد الأكياس دي كلها، وطلعتها بره نطاق بيتي خالص، وخدت عربية النقل الصغيرة بتاعتي ورحت بيها على مشوار مهم.
رحت فين؟ رحت لمحل الورد الكبير اللي في أول الحي، وطلبت من الراجل يعمل لي أحلى وأفخم باقات ورد صناعي، وردات ألوانهم تفتح النفس، حمراء وصفراء وزهرية، وردات شكلها غالي وجذاب أوي، وكل وردة من دول كانت متثبّتة كويس على قاعدة قوية. دفعت للراجل حسابه كامل، ورجعت البيت ومعايا الباقات دي.
ليه ورد؟ لأن سماح كان عندها هوس غريب بالمظاهر؛ تلاقيها لابسة ومتبخرة وواقفة في البلكونة تتفرعن على الناس، وكل همها إن شكل بيتها ومدخل بيتها يكونوا هم الأجمل والأشيك في الشارع كله، عشان لما الجيران يمروا ينبهروا بذوقها. وطبعاً، مدخل بيتها كان عبارة عن قطعة فنية؛ سلم رخام ناصع البياض بينلمع كل يوم، وأصيص زرع طبيعي مستورد على الجانبين، وريحة البخور والعطور الفواحة طالعة منه لآخر الشارع.
ده كان الضعف الوحيد اللي ظاهر قدامي، والوتر اللي هعزف عليه عشان أوجعها بجد من غير ما أغلط ولا أمد إيدي عليها.
ثاني يوم بالليل، حوالى الساعة تلاتة الفجر، الدنيا كانت هادية وساكتة والكل نايم. فتحت باب بيتي بهدوء كأن قطة ماشية، ومعايا كيسين زبالة من اللي سماح رمتهم عندي اليومين اللي فاتوا، وكمان كيس تالت جمعت فيه حاجات تانية لها ريحة قوية ونفاذة، زي قشر سمك وبصل وبواقي أكل بايتة من كذا يوم، وربطت الأكياس دي بإحكام شديد عشان ما تسربش حاجة على الأرض وهي في الطريق.
مشيت على أطراف أصابعي لحد مدخل بيت سماح.
بصيت شمال ويمين، الشارع فاضي تماماً، وكاميرات المراقبة اللي حطاها في بيتي هي الوحيدة اللي بتسجل المشهد. قربت من باب بيتها الرخام الأبيض اللامع، وبكل راحة بال، حطيت كومة الزبالة دي في نص السلم بالضبط، قدام الباب الكبير بتاعها على طول، بحيث أول ما تفتح الصبح وتطلع بره، رجلها تقع عليها مباشرة.
بس أنا ما اكتفيتش بكده!
طلعت من الشنطة بتاعتي “باقة الورد الجميل” اللي اشتريتها، وحطيتها فوق كومة الزبالة بالظبط، وغرزت عود الورد في نص الأكياس كأنها هدية فاخرة مرسولة لها من معجب مخفي! وحطيت جنبها كارت صغير كتبت عليه بخط إيدق: “من حبيب مسكّن جديد.. بيتك يستاهل أحلى حاجة”.
رجعت بيتي وأنا ضحكتي مالية وشي، ودخلت نمت نومة هادية كأني في صالة فخمة مش في مشكلة مع جارة سليطة لسان.
الصبح الساعة ثمانية بالضبط، كنت واقفة جوه الصورية جنب شباك المطبخ، ماسكة كوباية الشاي وبشربها على مهلي، وعيني على مدخل بيت سماح.
دقايق وسمعت صوت فتح الباب بتاعم.
طلعت سماح كعادتها، لابسة روب حرير شيك، وماسكة في إيدها كوباية القهوة، ورفعة راسها للسماء كأن الملك ملكها. خطت الخطوة الأولى برجلها اليمين عشان تنزل تتابع يومها، لكن فجأة…
رجلها خبطت في حاجة طرية وريحتها مش طفيفة بالمرة!
نزلت بوشها لتحت، وعينها اتوسعت لحد ما كادت تطلع من مكانها من الخضة والصدمة.
“يا نهار أسود ومنيل! إيه ده؟! إيه القرف ده؟!”






