
الفصل الثالث: حرب الأعصاب والورد البلدي
دخلت سماح بيتها والغباء والغل كانوا بينقطوا من عينيها، وواضح إنها كانت بتولع من جواها لأنها اتصدمت فيا للمرة الأولى. هي طول عمرها فاكرة إن الناس الطيبة اللي بتسكت على حقها عشان تشتري راحة بالها، ناس ضعيفة ومكسورة الجناح وماتقدرش تاخد حقها بدراعها. لكنها ما كانتش تعرف إن الست اللي قضت عمرها كله توفر قرش فوق قرش لحد ما بنت مملكتها الجديدة لوحدها، عندها من الصبر والجلد والعقل اللي يخليها تدير المعركة دي وكأنها بتلعب شطرنج.
تاني يوم الصبح بدري، قبل ما نور الفجر يبان كويس، كنت قاعدة في الصالة بشرب قهوتي وبراجع حساباتي. أنا عارفة دماغ سماح كويس؛ الست دي بتموت في المظاهر والمنظر قدام جيرانها والناس اللي رايحة واللي جاية في الشارع. بالنسبة لها، أي خدش في صورتها أو بريق مدخل بيتها بيعتبر كارثة قومية وكسرة كرامة ما تقدرش تتحملها. وعشان كده، كان لازم أكمل اللعبة بنفس الطريقة بس بتكتيك أذكى وأغرب يخليها تفقد أعصابها على الآخر من غير ما تديني فرصة أمسك في خناقها أو أعمل مشكلة قانونية.
-
الخيانة الزوجية ج 2 حكـايات مني السيدمنذ 5 أيام
-
الخيانة الزوجية ج 1 حكـايات مني السيدمنذ 5 أيام
-
بعد سنين من الغربة اماني سيدمنذ 5 أيام
خرجت من باب بيتي ومعايا كيسين كبار من زبالتها اللي رمتهم عندي تاني امبالح بالليل، وكمان حطيت معاهم شوية حاجات تانية تزود الواجب، زي قشر بصل متبل وعلب تونة فاضية ريحتها جابت أول الشارع. مشيت على تروسيكلي الصغير لحد أبعد صندوق زبالة في أول المنطقة، اتخلصت من الزبالة الحقيقية هناك عشان ما أوسخش الشارع كله، بس احتفظت بحاجات معينة خفيفة ومقصودة، ورجعت بيها على بيت سماح.
الساعة كانت حوالي خمسة ونصف الصبح، الدنيا رايقة ومفيش غير البواب بيعزل الكشر في أول الزاوية. قربت من سلم سماح الناصع البياض، وعملت خطتي الجديدة.
بدل ما أحط كيس الزبالة كده حاف، جبت شريط ساتان أحمر طويل وربطت به الكيس بطريقة منظمة كأنها هدية عيد ميلاد فاخرة رايحة لعروسة! وحطيت فوق الكيس طبق بلاستيك نضيف وفيه وردة بلدي مقطوفة طازة من جنينتي، وكتبت كارت صغير بإيدي بخط حلو: “صباح الورد يا جارتنا العزيزة.. شكراً لتعاونك المستمر معنا”.
حطيت الهدية دي في نص السلم بالضبط عند باب شقتها، ورجعت بيتي وأنا بشرب شاي بالنعناع ومستمتعة بالعرض المجاني اللي هيبدأ بعد دقايق.
وما كملتش نص ساعة، وسمعت صوت فتح الباب بتاعها!
كالعادة، فتحت الباب بعنف وهي ماسكة كوباية القهوة بتاعتها وباصة لفوق بغرور، وخطت خطوتها الأولى… بس المرة دي ما خبطتش في زبالة عادية، دي خبطت في طبق عليه ورد وشريط أحمر وشكل يجنن، وجواها الكيس اللي ريحته كانت كفيلة تقلب معدتها!
وقفت سماح مكانها زي اللي اتكهربت!
بصت للطبق والوردة والشريط الأحمر، وبعدين بضت للكيس اللي مربوط بمهارة كأنه دستة حلويات جايين من عند العبد. عيونها نطت لبرا من كتر الصدمة والذهول، وفتحت بوقها وعايزة تصرخ بس الكلمات خانتها. بعد ثواني من الصمت اللي قطع قلبها، طلعت منها صرخة رعبة صحت الشارع كله:
“يا مجنونة! يا شيطانة! يا بت الإيه دي إنتي ناوية تجننيني؟!”
نزلت جري في الشارع وهي لابسة بيجاما حرير غالية، وبقت تلطم على وشها وتزعق بصوتستفزازي يقطع القلب:
“يا ناس! يا عالم! الحقوني! الست العجوزة دي اتجننت رسمياً! بتبعت لي الزبالة في علب هدايا! حد يلمها مني لولا كده هرتكب فيها جناية النهاردة!”
الجيران فتحوا الشبابيك، وكل واحد بص من شباكه مستغرب المنظر العجيب: كيس زبالة بريحة السمك والبصل، مربوط بشريط أحمر وفوقه وردة بلدي على مدخل أبيض بيلمع! الشكل كان بيضحك ويبكي في نفس الوقت، لدرجة إن في شاب من الشباب اللي ساكنين قدامنا ما قدرش يمسك نفسه وطلع صوت ضحك مكتوم.
س سماح شافت الضحك، فتحولت لثور هائج. بصت للشباك وبقت تشتم في العيال وفي الشارع كله: “بضحكوا على إيه يا قليلين الأدب؟! ما تشوفوا البجحة دي بتعمل فيا إيه؟! دي فاجرة وبتتحدا عيني عينك!”
أنا كنت قاعدة جنب شباك المطبخ، لابسة نظارة القراءة وبقرأ في كتاب، وبشرب فنجان القهوة على مهلي ولا كأنها بتزعق قدام بيتي ولا كأن الشارع كله مقلوب حس حس. كنت سايباها تاكل في نفسها لحد ما تخلص رصيد صبرها بالكامل.
طوال اليوم، سماح ما قعدتش في بيتها دقيقة واحدة. فضلت رايحة جاية، طلعت اشتكت لصاحب البيت اللي مستأجرين عنده الشقة، وراحت للبواب وهددته بطرده لو ما جابش مين اللي بيعمل كده، وطلعت خبطت على باب الشقق التانية تتهمهم بالغباء وإنهم متواطئين معايا. بس الكل كان بيتهرب منها، لأن الصراحة، الكل كان عارف عمايلها السودة وإنها أصلًا جار مزعج وطماعة وما حدش طايق طريقتها في التعامل.







