
بابا حط حاجة في شاي ماما، قالها ولد عنده تمن سنين للظابط اللي قاعد ورا المكتب. وبعدين بلع ريقه ووضح كلامه خلاها تشربه كله، وقالنا نلعب في الأوضة ومَنقولش لأي حد. أخته الصغيرة اللي ماسكة في إيده كانت بتترعش، ضامة دبدوب مقطوع على صدرها كأنه درع، في الوقت اللي الولد وطّى فيه وطلع من جوه جزمته قزازة دواء صغيرة فاضية ومتكسرة من الطرف. الظابط طلب الإسعاف فوراً لعنوان بيتهم، ودخل السيريال نمبر اللي على القزازة في جهاز الكمبيوتر بتاعه. ولما اسم الأب ظهر قدامه على الشاشة ك الطبيب المسؤول عن صرف العهدة دي، قام بهدوء وقفل باب النقطة الرئيسي بالمفتاح.
نقطة الشرطة كان ريحتها شاي تقيل ودخان سجاير قديم. مروحة السقف كانت بتعمل صوت تزييق رتيب فوق راسهم، بتوزع هواء بارد على أكوام المحاضر المرصوصة، ولمبة النيون اللي في السقف كانت بترعش كل كام ثانية.
الرائد عمر رشدي كان في نص كتابة تقرير نوبتجية لما الطفلين دول دخلوا من باب القزاز وهما ماسكين إيد بعض.
كانوا لابسين بيجامات بيت شتوية خفيفة، وجواكت مش مقفولة كويس، كأنهم هربوا في ثانية واحدة من غير ما حد يحس. بس اللي لفت انتباه عمر مكنش لبسهم، كان نظرة الرعب اللي متجمدة في عينين البنت الصغيرة، كأنها شافت حاجة مستحيل طفلة في سنها تشوفها.
عمر قام بسرعة
-
اختي التوأممنذ يومين
-
حماتي كل ما اطبخمنذ أسبوع واحد
-
اخويا عنده متلازمة داونمنذ أسبوع واحد
-
عيلتها احتفلو لما سابت البيتمنذ أسبوع واحد
لدرجة إن كرسيه خبط في الدولاب الصاج وراه.
إنتوا هنا مع حد كبير؟ سألهم وهو بيقرب.
الولد اللي أقرب للمكتب هز راسه بالنفي. اسمه كان ياسين. اتكلم بجدية وحذر مبيطلعش غير من أطفال كرروا التحذير لنفسهم ألف مرة وهما ماشيين في الشارع لوحدهم في الضلمة.
أختي اسمها ليلى، قالها ياسين، بابا قالنا إن ماما تعبانة ومحتاجة تنام شوية.. بس ماما بقالها كتير أوي مابتتنفسش، ولونها بقى أزرق.
ليلى ماعيطتش. قعدت على الأرض جنب المكتب، ضمت ركبها لصدرها، وخبّت وشها في الدبدوب بتاعها.
عمر لف من ورا المكتب عشان يقربلهم، بس ياسين وقف بينه وبين أخته زي الحيطة.
ماترجعناش البيت.. أرجوك، همس بيها ياسين.
الجملة دي غيرت جو الأوضة كلها.
عمر نزل على ركبه عشان يكون في نفس مستوى طولهم، خلى إيديه الاتنين باينين عشان يطمنهم، وطلب من ياسين يحكيله بالظبط إيه اللي حصل، من غير ما يخمن، ومن غير ما يستخدم كلام حد تاني قالهوله.
ياسين بص في الأرض، وتحديداً لزمته.
قعد على البلاط الساقع، قلع الفردة اليمين، ورفع الفرش الداخلي بتاعها.
قزازة الدواء الصغيرة الفاضية نزلت في كف إيده.
كان مخبيها هناك لأنه، على حد تعبيره بابا بيفتش جيوبنا قبل ما ندخل ننام.
عمر حس بغضب سخن ومفاجئ بيغلي جواه، بس حافظ على نبرة صوته هادية تماماً. سأله لو القزازة كان فيها حاجة تانية، ياسين قاله لأ. سأله لو باباهم شافهم وهما خارجين، قاله معرفش، احنا نزلنا من سلم الخدامين.
عمر ملمسش القزازة بإيده.
بدل ده، فرد كيس أحراز بلاستيك شفاف على المكتب، وطلب من ياسين يسقط القزازة جواه، وكتب الوقت على التيكت 1142 مساءً.
وبعدها اتصل بالعمليات يطلب إسعاف وتأمين لعنوان البيت.
صوت موظف اللاسلكي كان بيتردد في الأوضة، وعمر بيراقب وش ليلى اللي شاحب تحت إضاءة القسم الكئيبة. بلغ أعمارهم، وصف حالة الأم زي ما الطفل قالها، وطلب تقييم طبي عاجل وتحرك فوري لفرقة مباحث للعنوان.
ياسين كان واقف جنب أخته، حاطط إيده الصغيرة على كتفها بيطمنها.
إنت عملت الصح يا بطل، عمر قالهاله.
شفايف ياسين اترعشت لأول مرة.
هو إحنا هنتحبس؟
لأ، عمر رد بثبات. إنتوا جيتوا عشان تطلبوا المساعدة.
الكلمتين دول كأنهم فكوا عقده جوا الطفلين. ليلى بدأت تعيط من غير أي صوت، دموع بتنزل بس. وياسين مسك في طرف المكتب وهو بيبص لكيس الأحراز المقفول.
وفي الوقت اللي الإسعاف والمباحث في طريقهم للبيت، عمر دخل كود التشغيلة المطبوع بخط أزرق باهت على القزازة في سيستم وزارة الداخلية المربوط بهيئة الدواء.
أول بحث طلّع نوع الدواء مُخدّر كلي شديد الفعالية، بيستخدم في غرف العمليات بس.
تاني بحث طلّع تاريخ صرف العهدة النهارده الصبح.
تالت بحث فتح ملف الدكتور اللي استلم العهدة دي باسم عيادته الخاصة.
طارق الشافعي.
أبوهم.
عمر راجع بسرعة كاميرات المراقبة الخارجية للقسم، وسجل البلاغات الواردة في آخر ربع ساعة. لقى إشارة تعميم نزلت من 10 دقايق بس.. طارق الشافعي مبلّغ إن مراته المريضة نفسياً هربت من البيت وخطفت ولاده الاتنين.
بس ياسين لسه قايل إن أمهم في البيت مابتتحركش ولونها أزرق.
القصة اتقسمت نصين، وفي كدبة كبيرة بتتلعب.
عمر طبع التقرير وحطه جنب كيس الأحراز. وبعدين ضاف سطر في دفتر الأحوال الأطفال طلبوا الحماية قبل وصول الأب.. يُشتبه في جناية.
برة النقطة، صوت عجل عربية بيحتك بالأسفلت المبلول قطع السكوت.
الإسعاف لسه قدامها ربع ساعة على الأقل.
عربية جيب سودا ضخمة كسرت وكسرت ودخلت ساحة القسم بسرعة.
ياسين شافها من ورا الإزاز، وتجمد مكانه كأنه حتة تلج.
ليلى طلعت صوت شهقة مكتومة من رعبها واستخبت ورا المكتب.
عمر مشي بخطوات سريعة ناحية باب القزاز، شد السقاطة الحديد، ولف المفتاح مرتين. وبعدين أخد الولاد ورا الكاونتر الخشب بتاع النوبتجية، بحيث محدش يقدر يشوفهم من برة خالص.
العربية الجيب وقفت بشكل مايل وخدت مكانين ركن.
باب السواق اتفتح.
طارق الشافعي نزل منها، ماسك تليفونه على ودنه، بيتكلم بعصبية، وبيشاور ناحية القسم كأنه متأكد إنهم جوه ومستني كل اللي في








