عام

حاول زوجي حضانتي أمام المحكمة

هزّ آدم رأسه ببطء، ثم قال بصوت مرتجف
أمي لا تخيفنا لكنها كانت تبكي كثيرًا بعد أن كان أبي يصرخ عليها.
شعرت بأن أنفاسي توقفت.
بينما تجمد فراس في مكانه.
وأكمل آدم بصعوبة
وكان يقول لنا إننا إذا لم نقل ذلك هنا فلن يسمح لنا برؤية أمي مرة أخرى.
بدأ حمزة بالبكاء بصوت خافت، وهو يمسك بطرف قميص أخيه.
أما أنا
فشعرت في تلك اللحظة أن شيئًا داخلي انكسر بالكامل.
لأول مرة أدركت أن طفلَيّ لم يكونا مجرد شاهدين على ما حدث بيننا
بل كانا يحملان الخوف نفسه الذي كنت أعيشه طوال الأشهر الماضية.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في كلام آدم
بل في الشيء الذي قاله بعدها مباشرة، وهو ينظر إلى القاضي بعينين مرتجفتين
وهناك شيء آخر فعله أبي وأمي لا تعرف عنه شيئًا حتى الآن.
وفي تلك اللحظة
شحب وجه فراس بطريقة جعلت القاعة كلها تصمت.
تبادل المحامون النظرات بسرعة، بينما اعتدل القاضي في جلسته ونظر إلى آدم باهتمام أكبر.
حتى رنا، الجالسة خلف فراس بثيابها الأنيقة وملامحها الباردة، بدا التوتر واضحًا على وجهها لأول مرة منذ بداية الجلسة.
قال القاضي بهدوء
ما الذي تقصده يا آدم؟
ابتلع ابني ريقه بصعوبة.
ثم قال بصوت خافت
كنت أرى أبي يعطي أمينة أشياء لتضعها في عصير أمي.
إلى الأرض وهو يشبك أصابعه الصغيرة ببعضها.
ثم قال
كنت أراه يعطيها الحبوب أحيانًا في المطبخ ويقول لها ألا تخبر أمي.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
وفجأة
بدأت أشياء كثيرة تعود إلى رأسي دفعة واحدة.
الدوخة المستمرة.
النعاس الذي كان يهاجمني في منتصف النهار.
ارتجاف يدي أحيانًا دون سبب.
ثقل رأسي.
فقداني للتركيز.
نوبات البكاء المفاجئة.
والشعور المرعب بأنني أفقد السيطرة على نفسي يومًا بعد يوم.
وضعت يدي على فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة.
خصوصًا أن حالتي ساءت بشكل واضح خلال السنة الأخيرة
بعد زواج فراس من رنا.
أكمل آدم بصوت مرتجف
وفي مرة سمعت رنا تقول لأبي إن أمي ستبدو مجنونة أكثر إذا استمرت على الدواء.
شهقتُ دون وعي.
بينما التفتت الأنظار كلها نحو رنا.
لكنها تماسكت بسرعة وقالت بعصبية
هذا هراء طفل في التاسعة لا يفهم ما يسمعه.
إلا أن آدم رفع رأسه فجأة وقال
أنا سمعتها بنفسي.
ساد الصمت مجددًا داخل القاعة.
حتى حمزة توقف عن البكاء وهو ينظر إلى أخيه بخوف.
أما أنا
فكنت أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
لأشهر طويلة كنت أظن أنني أنهار بسبب الخيا، نة، والضغط، والانكسار
لكن للمرة الأولى بدأ داخلي يهمس بسؤال مرعب
ماذا لو أنني لم أكن أتدهور وحدي؟
ماذا لو أن أحدهم كان يدفعني نحو ذلك عمدًا؟
اعتدل القاضي في جلسته ونظر مباشرة نحو فراس.
ولأول مرة منذ بداية القضية
اختفى ذلك الهدوء الواثق من وجهه تمامًا.
ثم قال آدم الجملة التي قلبت الجلسة بالكامل
وسمعت أبي يقول إن أمي لن تحصل على الحضانة إذا اقتنع الجميع بأنها مريضة فعلًا.
وفي تلك اللحظة
أدركت أن ما كنت أظنه طلاقًا قاسيًا فقط
كان في الحقيقة بداية حر، ب كاملة لتدميري.
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة الشرعية في عمّان بصورة ثقيلة حتى إنني أصبحت أسمع صوت أنفاسي المرتجفة بوضوح.
كان القاضي ينظر إلى آدم باهتمام شديد، بينما جلس فراس متيبسًا في مكانه، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه نزعت عنه ذلك القناع الهادئ الذي حافظ عليه طوال الجلسة.
أما رنا
فكانت تحاول التماسك بصعوبة.
رأيت يدها تتحرك فوق حقيبتها بسرعة عصبية، بينما كانت تتجنب النظر نحوي تمامًا.
ولأول مرة منذ شهور طويلة
شعرت بالخوف الحقيقي يتسلل إليهما.
قال القاضي بهدوء
هل أنت متأكد مما تقوله يا آدم؟
هزّ ابني رأسه ببطء.
ثم قال بصوت خافت
كنت أسمعهم يتحدثون كثيرًا عندما يظنون أننا نائمون.
بلعت ريقي بصعوبة.
وأكمل
وفي مرة سمعت أبي يقول إن أمي إذا بدت متعبة ومتوترة دائمًا فالمحكمة ستصدق أنه لا يجب أن نبقى معها.
ارتجفت يداي بعنف.
لم أعد أعرف هل ما أسمعه حقيقي أم أنني ما زلت داخل كابوس طويل لم أستيقظ منه بعد.
تحدث محامي فراس بسرعة
سيدي القاضي، لا يمكن الاعتماد على كلام طفل صغير في قضية حساسة كهذه.
لكن القاضي لم ينظر إليه.
بل ظل يراقب آدم للحظات طويلة قبل أن يقول
وهل رأيت شيئًا آخر يا بني؟
ساد التردد على وجه آدم.
ثم نظر نحوي.
ولم أستطع احتمال ذلك الخوف الموجود داخل عينيه الصغيرتين.
قال بصوت متقطع
كنت أرى أمينة تضع الحبوب لأمي حتى عندما تقول إنها لا تريد أخذ الدواء.
في تلك اللحظة
شعرت بشيء بارد يمر داخل جسدي كله.
أمينة.
الخادمة التي عاشت معنا ثلاث سنوات.
الخادمة التي كانت تحضر لي الشاي كل ليلة تقريبًا.
الخادمة التي كانت تدخل غرفتي أحيانًا عندما أكون مرهقة وتقول إن فراس طلب منها أن تتأكد من أنني تناولت علاجي.
بدأت الصور تتدفق داخل رأسي بصورة مرعبة.
أكواب العصير.
طعم غريب لم أفهمه يومًا.
دوخة مفاجئة.
نعاس يهاجمني في أوقات غير طبيعية.
أيام كاملة كنت أشعر فيها بأن رأسي ثقيل وكأن الضباب يملأه.
ثم نوبات البكاء.
العصبية.
فقدان التركيز.
ارتجاف أصابعي أحيانًا.
حتى إنني بدأت أخاف من نفسي.
كنت أصدق فعلًا أنني أفقد عقلي بالتدريج.
وضعت يدي فوق فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة.
بينما قال آدم بخوف
وفي مرة سمعت رنا تقول إن أمي ستبدو مجنونة أكثر إذا استمرت على الدواء.
صرخت رنا فجأة
هذا كذب!
لكن صوتها خرج مهتزًا بصورة فضحت خوفها.
نظر القاضي نحوها ببرود وقال
التزمي الصمت من فضلك.
أما فراس
فكان يضغط فكه بقوة حتى ظهرت عروقه بوضوح.
لأول مرة منذ سنوات
رأيته عاجزًا عن السيطرة على الموقف.
لكن الصد، مة الحقيقية بالنسبة لي لم تكن في كلمات آدم وحدها.
بل في تلك اللحظة التي بدأت فيها أراجع حياتي كلها معه.
فجأة
بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
تذكرت نفسي قبل عشر سنوات.
حين تزوجت فراس.
لم يكن رجل الأعمال المعروف الذي يعرفه الناس الآن.
كان مجرد شاب يملك حلمًا صغيرًا ومكتبًا متواضعًا بالكاد يستطيع دفع إيجاره.
كنت أحبه بطريقة عمياء.
أؤمن به أكثر مما يؤمن هو بنفسه.
وعندما خسر مشروعه الأول بعد عامين من زواجنا
كنت أنا من وقف بجانبه.
أنا من فتحت صندوق ذهبي.
أنا من خلعت أساوري وقلاداتي التي ورثت بعضها عن أمي.
وبعتها كلها حتى لا يغلق شركته.
تلك الليلة جيدًا أيضًا.
واجهته.
كنت أرتجف وأنا أمسك هاتفه.
لكنه لم ينكر.
بل نظر إليّ ببرود وقال
هذا حقي.
لم أصرخ.
لم أحطم شيئًا.
كنت فقط أشعر أن شيئًا داخلي مات بالكامل.
ومع ذلك
تحملت.
من أجل آدم وحمزة.
ظننت أن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الطلاق.
لم أتخيل أبدًا أن فراس كان يخطط لشيء أكبر بكثير.
في المحكمة
بدأ القاضي يدوّن الملاحظات بهدوء.
ثم قال
سيتم تأجيل الجلسة مؤقتًا لحين مراجعة ما ذُكر.
لكن قبل أن تنتهي الجلسة
حدث شيء لم أكن أتوقعه.
دخلت أمينة إلى القاعة.
كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ووجهها شاحب بصورة واضحة.
التفت الجميع نحوها.
حتى فراس وقف فجأة.
وقال بعصبية
ماذا تفعلين هنا؟
لكن أمينة تجاهلته.
وظلت تنظر نحوي بعينين ممتلئتين بالخوف.
ثم قالت بصوت مرتجف
سامحيني يا مدام ليان.
شعرت بأن قلبي توقف.
واقتربت منها الشرطية الموجودة داخل القاعة.
بينما أكملت أمينة بصعوبة
في البداية كان يقول إن الطبيب طلب زيادة الجرعات.
ثم صار يعطيني حبوبًا إضافية ويطلب مني وضعها لكِ في العصير أو الشاي.
شهقت رنا بعنف.
أما فراس فصرخ
أنتِ تكذبين!
لكن أمينة بدأت تبكي.
وقالت
أقسم بالله هذا ما حدث كنت خائفة أن أطرد من العمل.
شعرت بأن العالم كله يدور حولي.
كنت أسمع الكلمات وكأنها تأتي من مكان بعيد جدًا.
أنا لم أكن أتخيل.
لم أكن أتصور حتى في أسوأ كوابيسي
أن الرجل الذي أحببته بكل هذا الجنون كان يدفعني نحو الانهيار بيديه.
قال القاضي بصرامة
هل لديكِ ما يثبت كلامك؟
ترددت أمينة للحظات.
ثم أخرجت هاتفًا قديمًا من حقيبتها.
وقالت
سجلت هذا بعدما خفت على الأولاد.
وفجأة
امتلأت القاعة بصوت فراس.
واضحًا.
باردًا.
ومرعبًا.
كلما بدت غير متزنة أكثر لن يصدقها أحد حتى لو تكلمت.
ثم جاء صوت رنا
المهم أن تنتهي الحضانة بسرعة قبل أن تبدأ بالمطالبة بأي شيء.
شعرت بيديّ ترتجفان بعنف.
أما فراس
فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
في تلك اللحظة فقط
فهمت الحقيقة كاملة.
لم تكن القضية مجرد حضانة.
ولم يكن الهدف مجرد الطلا، ق.
كان يريد إخراجي من حياته بلا شيء.
بلا أولاد.
بلا حقوق.
بلا مال.
حتى البيت الذي عشت فيه سنوات
اكتشفت لاحقًا أنه نُقل باسم رنا قبل أشهر.
وبعض أموال الشركة أيضًا.
وكان يظن أنه إذا أصبحت مريضة نفسيًا رسميًا فلن يصدقني أحد عندما أتكلم.
حتى لو قلت الحقيقة.
حتى لو صرخت بها.
لكن أكثر ما كسرني تلك الليلة
لم يكن التسجيل.
ولا اعتراف أمينة.
بل رؤية آدم.
طفلي ذو السنوات التسع.
الذي كان يحمل هذا الخوف كله وحده.
اقترب مني ببطء بعد انتهاء الجلسة.
ثم أمسك يدي الصغيرة المرتجفة وقال
كنت خائفًا يا أمي.
انفجرت بالبكاء أخيرًا.
وضممته إلى صدري بقوة.
أما حمزة
فكان يبكي هو الآخر وهو يتمسك بعباءتي.
وفي تلك اللحظة فقط
أدركت أنني مهما خسرت
فلن أسمح لذلك الرجل أن يأخذ روحي بالكامل.
مرت الأسابيع التالية ثقيلة.
بدأ التحقيق رسميًا.
وطلبت المحكمة مراجعة التقارير الطبية والأدوية التي كنت أتناولها.
وبدأت أشياء كثيرة تنكشف تدريجيًا.
اتضح أن بعض الجرعات التي كنت أتناولها لم تكن ضمن وصفة الطبيب أصلًا.
واتضح أن فراس كان يحصل عليها من خلال معارفه.
أما رنا
فحاولت إنكار كل شيء.
لكن التسجيل كان كافيًا لتحطيم الصورة المثالية التي بنياها معًا.
انتشرت الأخبار بسرعة.
وبدأت سمعة فراس تهتز.
الناس الذين كانوا يرونه رجل أعمال محترمًا
صاروا يتهامسون باسمه.
وشركته دخلت في أزمة حقيقية.
بعض الشركاء انسحبوا.
وعدد من العقود توقف.
أما أنا
فكنت أحاول فقط أن أتعلم كيف أتنفس من جديد.
كيف أعيش دون خوف.
كيف أنام دون أن أشك ف

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى