كنت أقطع الخضروات في المطبخ حين شدّت ابنتي آمنة، ذات الأربع سنوات، طرف ذراعي

كان وجهها شاحبًا وعيناها ممتلئتين بالخوف، وقالت بصوت خافت أمي لا أريد تناول الحبوب التي تعطيني إياها جدتي كل يوم هل يمكنني التوقف؟
في تلك اللحظة شعرت وكأن الدم انسحب من وجهي.
ناولته الزجاجة وأنا أتمسّك بيد ابنتي آمنة دون أن أتركها لحظة. أخذها في البداية بشرود، وكأنه يتوقع خطأً بسيطًا، لكن ما إن قرأ الملصق حتى تبدّل وجهه فجأة. استقام في جلسته، ونظر إليّ، ثم أعاد النظر إلى الزجاجة بجدية جعلت البرودة تسري في عظامي.
سأل بصوت حاد من أعطى هذا للطفلة؟
لم يعجبني أسلوبه في قول هذا على الإطلاق.
أجبت حماتي الحاجة فاطنة. على ما يبدو كل يوم. لا أعرف العدد بالضبط، لكن آمنة أخبرتني أنها لم تعد ترغب في تناول الحبوب التي تعطيها لها جدتها.
شدّ الطبيب على فكّيه، ثم استدعى ممرضة وطلب منها أن تأخذ آمنة لوزنها وفحص علاماتها الحيوية وإجراء بعض تحاليل الد، م العاجلة. تشبثت بي ابنتي وهمست أمي؟
-
دولابي حكايات زهرةمنذ 3 ساعات
-
ابن “زعيم ” كان كل المربياتمنذ 3 ساعات
-
أجريتُ اختبار الحمض النوويمنذ 4 ساعات
-
أرضعتُ طفل زوجي السابق بعد زوجته أثناء الولادةمنذ 5 ساعات
فانحنيت إليها فورًا وقلت برفق سأذهب معكِ يا حبيبتي. لكنها نظرت إليّ بقلق وقالت لن تغضبي من جدتي، أليس كذلك؟
عندها شعرت بشيء ينكـــــــــسر في داخلي؛ ليس لأنها لم تغضب، بل لأنها كانت تحاول حماية من كان يؤذيها في الخفاء. مسحت على شعرها وقلت بهدوء سأهتم بكِ الآن فقط، هذا هو المهم.
عندما أخذتها الممرضة للحظات لإجراء وخزة في إصبعها، طلب مني الطبيب إغلاق باب العيادة. أغلقت الباب ويدي ترتجفان. قال بوضوح هذا الدواء ليس فيتامينًا، بل دواء مضاد للقلق ذو تأثير مهدئ، يُستخدم للبالغين.
أما عند طفلة في الرابعة، فقد يسبب نعاسًا شديدًا، وتشوشًا، وتهيجًا، ومشكلات في التنفس إذا زادت الجرعة بل وقد يؤدي إلى الاعتياد إذا استُخدم بشكل متكرر.
نظرت إليه مشوشة، لا أدري إن كنت لا أفهم أم أنني فهمت أكثر مما ينبغي، ثم سألته بصوت مرتجف هل كانت حماتي تُخدّر ابنتي؟
لم يجب فورًا، وكان صمته أشد وقعًا من أي كلام. ثم قال أخيرًا لا أستطيع الجزم بالنية قبل معرفة الكمية والمدة، لكن المؤكد أنه لم يكن ينبغي إعطاؤه لها تحت أي ظرف.
جلست من جديد، بينما عادت مشاهد الأسابيع الماضية تتدفق في رأسي دفعة واحدة آمنة نائمة في منتصف النهار، آمنة بطيئة في الصباح، آمنة تشتكي من دوار خفيف، والحاجة فاطنة تبتسم بثقة وهي تقول إن الطفلة أصبحت أكثر هدوءًا، وكأن ذلك أمر يُحمد عليه.
همست سأتصل بزوجي حسن.
أومأ الطبيب وقال افعلي، لكن قبل ذلك أريدك أن تجيبيني بصدق هل حماتك وحدها في المنزل الآن؟
تذكرت المطبخ، ربما كانت تُعد الشاي، وتذكرت خزانة الأدوية، وحقيبتي التي تركتها على الطاولة، ثم أجبته نعم، وحدها.
نظر إليّ بجدية وقال إذن لا تعودي إلى المنزل وحدكِ مع الطفلة، ولا تواجهيها قبل وجود شخص معكِ. لم يعد هذا نقاشًا عائليًا، وقد يتحول إلى قضية قانونية، بحسب النتائج.
سقطت كلماته على صدري كحجر ثقيل، وبقيت كلمة واحدة تتردد في داخلي بإلحاح مرعب قانونية.
اتصلتُ بزوجي حسن، ويدي ترتجف من التوتر حتى أخطأت في طلب الرقم مرتين قبل أن يجيب في المرة الثالثة. جاء صوته شاردًا هل أنتِ بخير؟ بدا وكأنه ما يزال في عمله.
قلت بصوت غريب عني استمع إليّ جيدًا ولا تقاطعني. والدتك تُعطي آمنة دواءً مهدئًا مخصصًا للبالغين بشكل يومي. أنا الآن عند طبيب الأطفال، وأريدك أن تأتي فورًا.
ساد صمت قصير، ثم خرجت منه ضحكة ساخرة ماذا؟ لا، أمي لا يمكن أن تفعل شيئًا كهذا. لا بد أنكِ فهمتِ الأمر خطأ.
قاطعته بحدة حسن، الزجاجة معي، واسم الدواء واضح، والطبيب أكد لي أنه ليس فيتامينًا. تعالَ الآن.
ثم أغلقت الهاتف قبل أن يمنح نفسه فرصة للإنكار مرة أخرى.
بعد ساعة، ظهرت النتائج الأولية. أكد الطبيب وجود آثار للدواء في دم آمنة. لحسن الحظ، لم تكن الكمية خطيرة، لكنها كانت متكررة بما يكفي لتفسير خمولها في الأيام الأخيرة.
حين دخل حسن العيادة، شاحب الوجه ولاهثًا، أدركت من ملامحه أن شيئًا بداخله قد انهار. نظر إلى الزجاجة، واستمع إلى الطبيب، ثم التفت إلى آمنة النائمة على السرير تضم دميتها الصغيرة، وفهم دون حاجة إلى مزيد من الكلام.
جلس بصمت، وغطى وجهه بيديه. لم يبكِ، لكنه بدا وكأنه يسقط من الداخل.
قال أخيرًا بصوت مكسور يجب أن نتحدث معها.
هزّ الطبيب رأسه ببطء وقال إن أردتم توثيق ما حدث، فعليكم إبلاغ الجهات المختصة، كحماية الطفل أو الشرطة. والأهم الآن إبعاد الطفلة فورًا عن الشخص الذي أعطاها هذا الدواء.
رفع حسن رأسه فجأة الشرطة؟ هذه أمي.
أجابه الطبيب ببرود وهي أيضًا من أعطت طفلة في الرابعة دواءً مهدئًا دون إشراف أو ضرورة طبية. سمّ الأمر كما تشاء، لكن الحقائق لا تتغير.








