Uncategorized

كنت أقطع الخضروات في المطبخ حين شدّت ابنتي آمنة، ذات الأربع سنوات، طرف ذراعي

عدنا إلى المنزل مع الغروب، ولم نكن وحدنا. جاءت معنا شقيقته سارة، فقد أصرّ حسن على وجود شاهد من العائلة. لم أكن أرغب في وجود أحد، لكنني وافقت، لأنني لم أعد أثق بما قد يُقال لاحقًا
في الخفاء.

كانت الحاجة فاطنة تجلس في غرفة المعيشة، تغطي ساقيها ببطانية، وأمامها كتاب مفتوح لا تقرأه. وما إن رأتنا حتى ابتسمت بتلك السكـــــــ،ينة المستفزة وقالت أرأيتِ؟ كل هذه الضجة بلا داعٍ. كنت أعلم أن آمنة متعبة فقط.
وضعتُ الزجاجة على الطاولة أمامها.
تجمدت ابتسامتها في لحظة.
شحب وجه سارة، بينما تقدم حسن خطوة إلى الأمام وسأل هل أعطيتِ هذا لآمنة؟
لم تستغرق الحاجة فاطنة سوى لحظة لتستعيد رباطة جأشها، وقالت بالطبع لا ليس بهذه الطريقة. أعطيتها القليل أحيانًا، أقل من نصف حبة مطحونة، فقط لتنام. الطفلة متوترة جدًا، وأنتما لا تعرفان كيف تضعان حدودًا

.
تقدمت خطوة نحوها وقلت بصوت ثابت أنتِ كنتِ تُخدّرين ابنتي.
رفعت ذقنها وقالت ببرود لا تبالغي. في زماننا، كان هذا أمرًا عاديًا. كان يساعد الأطفال على الهدوء. ثم إنكِ دائمًا تشتكين من أنها لا تترككِ تُنهين أعمالك.
شعرت وكأن صفعة غير مرئية أصابتني. أدركت فجأة أنها لا ترى ما فعلته خطأ، بل تراه حقًا لها.

سأل حسن هذه المرة بصوت مرتجف منذ متى؟
نظرت إليه بضيق وقالت أسبوعان، ربما ثلاثة. ليس كل يوم، فقط عندما تكون مزعجة أو كثيرة الحركة.
في تلك اللحظة، خرجت آمنة من الممر، تحتضن دميتها، وقد سمعت آخر جملة. نظرت إلينا ببراءة وقالت بصوت خافت
جدتي قالت لي إنني إذا أخذتُ هذا سأصبح فتاة هادئة وجميلة.

ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. بدأت سارة تبكي بصمت، بينما شحب وجه حسن، وتقدّمت أنا نحو آمنة، حملتها بين ذراعيّ ودفنت وجهي في شعرها، أهمس لها نعم يا صغيرتي انتهى الأمر.
نهضت الحاجة فاطنة ببطء، وعلى ملامحها ضيق واضح، وقالت بنبرة دفاعية لا تنظروا إليّ هكذا، لقد فعلت هذا من أجل العائلة. تلك الطفلة كانت بحاجة إلى ضبط، وأنتِ
وأشارت إليّ، رقيقة أكثر مما ينبغي.

عندها فعل حسن شيئًا لم أره يفعله من قبل. رفع يده، لا ليضربها، بل ليُسكتها. قال بصوت حاد كفى. كان صوته قويًا لدرجة أن آمنة تشبثت بي أكثر.
رمشت الحاجة فاطنة بدهشة، وقد شعرت بالإهانة، وقالت أتكلمني هكذا بسببها؟
فأجاب بثبات أتكلم هكذا من أجل ابنتي. اجمعي أغراضك الليلة.

ضحكت بسخرية قصيرة وقالت لن تطر، دني، أنا مريضة.
لكن حسن ردّ بصرامة لم أعهدها فيه ستغادرين.
تدخلت سارة، تمسح دموعها، واقتربت منها قائلة أمي، ستأتين معي، لكن لا يمكنك البقاء هنا.
نظرت الحاجة فاطنة بيننا جميعًا، وكأنها تنتظر أن يتراجع أحد، لكن أحدًا لم يفعل. قالت بمرارة هذا كله بسببكِ، كنتِ تريدين دائمًا أن تُبعدي ابني عني.
لم أرد، لأن الوقت لم يعد وقت جدال، بل وقت حماية.
بعد نحو أربعين دقيقة، وصلت الشرطة

. لم يتم توقيفها في تلك الليلة، لكنهم أخذوا إفادتها، وصوّروا الزجاجة، وتحدثوا مع الطبيب، وشرحوا لنا الإجراءات إن قررنا تقديم بلاغ رسمي، كما حرروا محضرًا بشأن إعطاء دواء لطفلة بطريقة غير قانونية.
حين رأيتها تغادر المنزل أخيرًا، متكئة على سارة، وما زالت تتمتم بأن كل هذا مبالغة، لم أشعر بالراحة كما توقعت، بل شعرت برجفة عميقة، تلك الرجفة التي تأتي بعد زوال الخطر، حين يدرك الجسد كم كان قريبًا.

في تلك الليلة، نمتُ إلى جوار آمنة في ســـــــ، ريري. عند منتصف الليل استيقظت، لمست وجهي وهمست لن يعطوني ذلك مرة أخرى أليس كذلك؟
احتضنتها بقوة وقلت لن يحدث هذا أبدًا. وإذا حاول أي شخص أن يعطيكِ شيئًا دون علمي، أخبريني فورًا، حتى لو قال لكِ إنه سر.
أومأت برأسها بنعاس وهمست سأخبركِ بكل شيء يا أمي. عندها فقط بكيت بصمت، حتى لا أخيفها.

بعد أسبوعين، عادت آمنة كما كانت، أكثر نشاطًا وابتسامًا، وكأن البيت نفسه تنفس من جديد بعد أن اختفى ذلك الثقل الغريب. أرسلت الحاجة فاطنة رسائل عدة؛ بدأت غاضبة، ثم مكسورة، ثم تبرر ما فعلته، وتقول إن الأطفال كانوا يُربّون هكذا في السابق. لم نرد.
علمت لاحقًا أن سارة حجزت لها موعدًا مع طبيب نفسي، بعدما أدركت أن الأمر لم يكن مجرد مساعدة.
أحيانًا أفكر في مدى اقترابي من عدم اكتشاف الحقيقة، كم كان من السهل أن أُقنع نفسي بأن ابنتي تمر بمرحلة عابرة. يؤلمني ذلك التفكير لكنني أتذكر شيئًا أقوى.
يدها الصغيرة وهي تشدّ على ذراعي.
وصوتها الخائف وهي تقول إنها لا تريد تلك الحبوب.
وأدرك أن ابنتي نجت في اللحظة التي قررت فيها أن تثق بي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى