منوعات

تزوّجتُ متسوّلة… وبعد سنوات وصلت 3 سيارات فاخرة قلبت حياتنا رأسًا على عقب

عندما بلغت السادسة والثلاثين كان الجيران يكثرون من الهمس بشأني
في هذا العمر وما زال غير متزوج يبدو أنه سيبقى أعزب طوال حياته!
في الحقيقة كنت قد خضت بعض العلاقات من قبل لكن أيا منها لم يدم. يوما بعد يوم كنت أعتني بهدوء بحديقتي الصغيرة وأربي الدجاج والبط وأعيش حياة بسيطة يسودها السلام.
في أحد أيام أواخر الشتاء وبينما كنت في السوق لفتت انتباهي امرأة نحيلة بثياب ممزقة تجلس على جانب الطريق تمد يدها طلبا للطعام. لم يكن مظهرها المتسخ هو ما شدني بل عيناها صافيتان رقيقتان لكنهما مفعمتان بحزن عميق.
اقتربت منها وقدمت لها بعض أقراص الأرز وزجاجة ماء. شكرتني بصوت خافت ورأسها ما يزال مطأطأ.
الغريب أنني في تلك الليلة لم أستطع إخراج صورتها من ذهني.

 

مقالات ذات صلة

بعد أيام قليلة رأيتها مرة أخرى في زاوية أخرى من السوق لا تزال على حالها البائس. جلست إلى جانبها وبدأنا نتحدث. كان اسمها هانه. لا أهل لها ولا مأوى وكانت تعيش في الشوارع مستعينة بالتسول.
شيء ما تحرك في قلبي. وبينما كنت أنظر في عينيها خرجت مني كلمات فاجأتني أنا نفسي
إن كنت تقبلين فتزوجيني. لست غنيا لكنني أستطيع أن أؤمن لك طعاما ومكانا تعيشين فيه.
اتسعت عينا هانه دهشة وعم السوق همس كثير قال الناس إنني فقدت عقلي.
لكن بعد أيام من التفكير أومأت بالموافقة. وأحضرتها إلى منزلي تحت أنظار القرية المذهولة.
كان زفافنا بسيطا مجرد بضع موائد للطعام. وسرعان ما انتشرت الأقاويل
خاي تزوج متسولة لن يأتي من ذلك خير.
تجاهلتهم. ما كان يهمني هو السكينة في قلبي.
لم تكن حياتنا معا سهلة. لم تكن هانه معتادة على الطهي أو على أعمال المزرعة لكنها كانت مجتهدة ومتحمسة للتعلم. شيئا فشيئا امتلأ بيتنا الذي كان هادئا بالضحكات ورائحة الطعام الدافئ.
بعد عام ولد ابننا الأول وبعد عامين جاءت ابنتنا إلى الدنيا.

وفي كل مرة أسمعهما يناديان أبي أمي كنت أعلم أنني اتخذت أفضل قرار في حياتي.
ومع ذلك لم يتوقف الجيران يوما عن السخرية منا. كانوا إذا مررت بهم في الطريق تبادلوا النظرات والابتسامات المبطنة بالاستهزاء وإذا جلست في مجلس عام خفضوا أصواتهم قليلا ثم عادوا ليرفعوها متعمدين أن تصل كلماتهم إلى أذني.
تزوج متسولة!
ضاع عقله!
لن يهنأ بحياته أبدا.
كنت أسمع كل شيء لكنني تعلمت أن أبتسم فحسب. لم أكن أملك مالا كثيرا ولا جاها يحميني من ألسنتهم لكنني كنت أملك راحة ضمير وسكينة قلب. كنت أعود إلى بيتي فأرى زوجتي تنتظرني بابتسامتها الهادئة وأسمع ضحكات طفلي فأشعر أنني أغنى رجل في القرية كلها.
كانت هانه قد تغيرت كثيرا منذ يوم زواجنا. لم تعد تلك المرأة المنكسرة التي تجلس في زاوية السوق. تعلمت الطهي بإصرار وصارت تتقن إعداد الخبز الساخن الذي يملأ البيت برائحة دافئة في الصباح. تعلمت كيف تعتني بالدجاج وكيف تزرع الخضراوات بجانبي وكانت كلما أخطأت في أمر ضحكت من نفسها قبل أن أضحك أنا.
في الليالي الباردة كنا نجلس أمام المصباح الصغير نراقب طفلينا وهما نائمان. كانت تهمس أحيانا
هل تظن أنهم سيعيشون حياة أفضل منا
فأجيبها بثقة
طالما نشؤوا على الحب والصدق فسيكونون بخير.
لكن خلف عينيها كان هناك شيء لم أفهمه آنذاك. حزن خافت أو ربما خوف قديم لم يفارقها.
ومضت السنوات بهدوء إلى أن جاء ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياتنا رأسا على عقب.
كنت في الحديقة أقلب التربة حول شتلات الطماطم حين دوى صوت محرك غريب لم أعتده في قريتنا الصغيرة. رفعت رأسي ثم سمعت صوتا ثانيا وثالثا. لم يكن صوت دراجة نارية ولا شاحنة قديمة. كان هديرا قويا ناعما يختلف عن كل ما عرفناه.
خرجت إلى الطريق فرأيت ثلاث سيارات سوداء فاخرة تلمع تحت شمس الظهيرة توقفت أمام بيتي المتواضع. انعكس ضوءها على جدران منزلنا الطيني وكأن عالمين مختلفين اصطدما في لحظة واحدة.
لم تمض دقائق حتى امتلأ المكان بأهل القرية. نساء يتهامسن أطفال يركضون رجال يقفون وأيديهم خلف ظهورهم يراقبون المشهد بفضول ودهشة.
فتحت أبواب السيارات ببطء ونزل منها رجال ببدلات رسمية أنيقة. نظراتهم جادة خطواتهم واثقة. تقدم أحدهم وسأل بصوت رسمي
هل هذه إقامة السيدة هانه
تقدمت زوجتي بخطوات مترددة. ما إن وقعت أعينهم عليها حتى انحنوا باحترام واضح.
آنسة لقد وجدناك أخيرا.
ساد صمت ثقيل. شعرت بأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
أمسكت هانه بيدي بقوة حتى شعرت بارتجافها. شحب وجهها وعيناها امتلأتا بقلق لم أره فيهما من قبل.
ثم نزل من السيارة الوسطى رجل في منتصف العمر تبدو عليه ملامح الوقار والسلطة لكن عينيه كانتا مبللتين بالدموع. تقدم نحوها ببطء وكأن كل خطوة تكلفه سنوات من الانتظار.
ابنتي قال بصوت متهدج بحثت عنك عشر سنوات كاملة.
لم أستوعب الكلمات. ابنتي عشر سنوات
نظرت إلى زوجتي فرأيت الدموع تنهمر على خديها. كانت ترتجف ثم همست
أبي
في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تميد بي.
اجتمع الرجال حولنا وبدأت الحقيقة تتكشف أمام أعين القرية المندهشة.
لم تكن هانه متسولة قط. كانت ابنة عائلة ثرية جدا تملك شركات ومشاريع في مدن عديدة. قبل عشر سنوات نشب خلاف حاد داخل العائلة بسبب الميراث وإدارة الأعمال. حاولوا إجبارها على المشاركة في صفقات لم ترض عنها صفقات رأت فيها ظلما وطمعا وفسادا.
رفضت.
وحين اشتد النزاع اختارت الرحيل.
غادرت منزلها يوما من دون أن تلتفت خلفها من دون أن تترك رسالة أو تلميحا يدل على وجهتها. أغلقت هاتفها غيرت اسمها وقطعت كل خيط يمكن أن يقودهم إليها. كانت تعرف أن البحث عنها لن يتوقف بسهولة وأن النفوذ والمال قادران على الوصول إلى أبعد الأماكن. ولهذا اختارت أكثر صورة يستحيل أن تخطر ببال أحد أن تختفي في العلن لا في الخفاء. أن تعيش في هيئة امرأة لا يلتفت إليها أحد بل يتجنبها الجميع.
عاشت بلا اسم حقيقي بلا ماض يذكر بلا رواية ترويها. كانت تمحو نفسها يوما بعد يوم كأنها تعاقب ذاتها على ذنب لم ترتكبه أو كأنها تحاول أن تولد من جديد خارج ظل عائلة كانت أكبر من قلبها.
قالت لي وهي تبكي ودموعها تنحدر في صمت طويل
ظننت أنني فقدت كل شيء العائلة الأمان المستقبل. كنت أعيش بين جدران فاخرة لكنني كنت أشعر أنني سجينة. وعندما خرجت لم أكن أعرف إلى أين أذهب. جلست في السوق ومددت يدي لا لأنني أحببت الذل بل لأنني أردت أن أختبر العالم. أردت أن أعرف إن كان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى