
وأنا برمي الزبالة، لمحت حماتي بتسفسف “بودرة بيضا” في الشوربة اللي لسه طالباها “ديليفري”. قمت بكل هدوء حطيت الطبق قدام جوزي، اللي كان لسه راجع وبيقول إنه كان “طافح الكوتة” في الشغل ولسه مخلص “أوفر تايم”. ليه هما الاتنين وشهم جاب ألوان أول ما عملت كده؟
وأنا خارجة أرمي كيس الزبالة، شفت “حماتي” (ست وفاء) واقفة جنب باب المطبخ اللي بيطل على المنور، ومستخبية في الضلمة، وبترش “باكو” صغير فيه بودرة بيضا جوه علبة الشوربة اللي لسه واصلة من المطعم.
-
دولابي حكايات زهرةمنذ 5 ساعات
-
ابن “زعيم ” كان كل المربياتمنذ 6 ساعات
-
أجريتُ اختبار الحمض النوويمنذ 7 ساعات
-
أرضعتُ طفل زوجي السابق بعد زوجته أثناء الولادةمنذ 7 ساعات
وقعت من طولي لثانية.
نور السلم مكنش واصل لها قوي، بس كان كفاية إني أشوف إيدها وهي بتترعش والبودرة بتنزل وسط البخار، وشفت الخضة اللي في كتافها أول ما حست إني واقفة وراها وببص لها.
”يا طنط وفاء؟” قلتها وأنا مستغربة.
لفت بسرعة لدرجة إن الشوربة كانت هتدلق منها: “خضيتيني يا ميساء!”
بصيت للشوربة في إيدها: “بتعملي إيه؟”
ضحكت ضحكة صفرا ومصطنعة: “ولا حاجة يا حبيبتي، كنت بزود شوية بهارات.. إنتي عارفة أكل المطاعم بيبقى دلع ومايع.”
مسكت نفسي ومردتش، فضلت باصة لوشها وبعدين للورقة اللي كانت بتحاول تكرمشها وتداريها في جيب “الروب” بتاعها. مفيش حد بيشيل “بهارات” في ورقة مطبقة ومعندهاش ماركة!
قربت مني وهي مبتسمة الابتسامة اللي بيبتسمها الناس لما يتفضحوا: “يا ميساء متكبريش الموضوع.. إنتي دايماً دراما.”
الكلمة دي كانت هتخليني أضحك في وشها.
بقى لي 6 سنين، طنط وفاء بتستخدم الكلمة دي كل ما تتخطى حدودها. لما تدخل شقتي بمفتاحها من غير ما تخبط، لما تنتقد لبس بنتي، لما قالت إني “دبست” ابنها (تامر) في الجواز عشان حملت وأنا عندي 28 سنة وكأنها فضيحة! لو اعترضت، أبقى دراما.. لو حطيت حدود، أبقى نكدية.. لو كشفت ألاعيبها، يبقى بيتهيأ لي.
بس المرة دي؟ الموضوع مختلف.
أخدت منها الشوربة بحذر كأني ماسكة قنبلة: “ادخلي جوه يا طنط.”
بصت لي بضيق: “إنتي ناوية تعملي ليلة؟”
بصيت لها ببرود وفتحت باب الشقة.
جوه، ريحة البيت كانت “فراخ مشوية وتومية”. تامر كان لسه داخل، بيفك الكرافتة وشكله هلكان (التمثيلية اللي بيعملها كل يوم عشان يقنعني إنه كان في “اجتماع”).
شافني ماسكة الشوربة فاستغرب: “كله تمام؟”
بصيت له.. جوزي.. تامر.. الـ 41 سنة.. الشيك.. اللي قدام الناس “ملاك” وفي البيت بقى له فترة “لغز”. تأخير كل يوم، موبايل مش بيفارق إيده وبـ “باسورد”، ردود غامضة.. ودلوقتي أمه بتبخ بودرة في أكلي!
من غير ولا كلمة، حطيت الطبق قدامه وزقيت المعلقة ناحيته.
“خد.. اتعشى إنت بالشوربة دي.”
تامر كشر: “مش دي اللي إنتي طالباها لنفسك؟”
“نفسي اتسدت.. اطفحها إنت.”
هنا طنط وفاء اتوترت بجد: “يا تامر.. الشوربة دي بردت ومركونة بقالها كتير، سيبها.”
تامر بص لنا إحنا الاتنين: “في إيه يا جماعة؟”
قعدت على الكرسي وربعت إيدي: “مفيش.. كل يا حبيبي.”
السكوت كان مرعب، لدرجة إني كنت سامعة صوت الموتور بتاع الثلاجة.
تامر ملمسش المعلقة.
طنط وفاء قالت بزعيق: “دي قلة أدب وهبل!”
هنا اتأكدت.. مش شكيت.. لا، اتأكدت
لأنها لو كانت “بهارات” بجد، كانت ضحكت وتريقت عليا وخلته ياكل عشان تطلعني مجنونة قدامه. لكن الاتنين كانوا بيبصوا للطبق وكأن فيه “عقربة”.
سندت ضهري لورا وقلت بصوت واطي: “تمام.. دلوقتي بقى عايزة أعرف الحقيقة.”
الجزء الثاني
تامر بص للطبق وبعدين لأمه، وفي اللحظة دي كل خيوط الست شهور اللي فاتوا اتربطت في دماغي.
سهراته.. زيارات أمه اللي بقت 4 مرات في الأسبوع.. الوشوشة اللي بتقطع أول ما أدخل الأوضة.. سؤاله المستمر لي “إنتي كويسة يا ميساء؟” وكأنه بيطمن على مفعول حاجة مش بيطمن عليا.
وفاء حاولت تلم الدور: “إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟”
رديت ببرود: “لا، أنا لسه فايقة دلوقتي.”
تامر وقف: “ميساء، مش وقته والبت نايمة جوه.”
(كان بيتهرب كالعادة).
زقيت الطبق أكتر: “دوق معلقة واحدة.”
متحركش.
أمه قالت بحدة: “يا تامر متمشيش ورا الهبل ده!”
(مش ملاحظين؟ مفيش إنكار.. فيه سيطرة بس)
أخدت الطبق وقمت: “ماشي.. هنعرف بطريقة تانية.”
تامر اتنفض: “رايحة فين؟”
“على المستشفى.. أو القسم.. اللي يرد عليا الأول.”
وش وفاء بقى لونه أبيض زي البودرة اللي رشتها. تامر مسك إيدي بسرعة: “ميساء، استني بس.”
بصيت لإيده وبعدين لوشه: “سيب إيدي.”
سابها.








