Uncategorized

شنطة بنتى

كانت التلاجة فاضية تاني. مرتب زوجها “سيد” اتأخر للشهر التالت، ولما جه أخيراً، يدوب كفى سداد ديون البقال ووصلات الكهرباء والمية. متبقاش معاهم “مليم” أحمر.

“فاطمة” اتعودت من سنين إنها تعد القرش، وتعمل “شوربة” من أي حاجة تلاقيها في درج المطبخ عشان تسد جوع بنتها “مريم”.

​في المساء ده، كانت واقفة قدام البوتاجاز بتقلّب حلة فيها شوية مية بمرقة. مريم بنتها عندها 9 سنين، بس طفولتها مكنتش سهلة ولا فيها لعب. فاطمة كانت ديماً بتحس بالذنب إن بنتها بتكبر في بيت بارد وكلام كله عن “الديون” و”الهم”.

​لما باب الشقة خبط، عرفت إن مريم رجعت.

قالت وهي مدية ضهرها للباب:

— «اغسلي إيدك يا مريم وتعالي كلي لقمة يا حبيبتي.»

​ردت البنت بهدوء غريب:

— «لا يا ماما.. شكراً.. مش جعانة.»

​الشك دخل قلب فاطمة:

— «ومش جعانة ليه؟ أكلتي فين؟»

— «أنا بس.. ماليش نفس.»

​الموضوع كان مقلق، مريم ممعهاش مصروف أصلاً! فاطمة حاولت تهدي نفسها، بس قلبها كان مقبوض.

شافت شنطة مريم الوردية القديمة، المقطوعة من الجناب، مرمية على التربيزة.

قالت وهي بتمسحها:

— «يا بنتي حرام عليكي.. الشنطة اتبهدلت تراب خالص، هطلع اللي فيها عشان أغسلها.»

​فتحت السوستة.. وهناك كانت الصدمة.

مفيش كتب، مفيش كراسات..

فيها فلوس. “رزم” ورق متطبقة بعناية، مبالغ كبيرة بالنسبة لطفلة.. وبالنسبة لعيلة ملقياش تاكل.

​فاطمة إيدها رعدت، وجسمها تلج. منين طفلة تجيب المبلغ ده؟

اتصلت فوراً بالمدرسة، وجالها الرد اللي نزل عليها زي الصاعقة:

— «يا ست فاطمة، مريم مابتجيش المدرسة بقالها 4 أيام!»

​الدنيا لفت بفاطمة. لو واجهتها دلوقت مريم هتخاف وتكذب.. مكنش قدامها غير حل واحد: تمشي وراها.

​تاني يوم، فاطمة نزلت بدري واستخبت في مدخل البيت. مريم خرجت بشنطتها كأنها رايحة المدرسة، بس عند أول ناصية، حودت في طريق تاني خالص.

فاطمة كانت ماشية وراها وقلبها بيتعصر.. هل حد بيستغلها؟ هل بتعمل حاجة غلط؟

​وصلت مريم لميدان زحمة جداً، وقفت عند إشارة المرور، طلعت حتة كرتونة من الشنطة مكتوب عليها بخط إيدها الصغير:

​«بجمع فلوس عشان أجيب لماما هدية.»

​وقفت البنت بكسوف، بتعرض اللوحة على العربيات والناس. اللي كان بيبتسم، واللي كان بيحط في إيدها “خمسة جنيه” أو “عشرة”. كانت بتبو، س إيدها وش وضهر وتحط الفلوس في الشنطة بلهفة.

​فاطمة كانت واقفة بعيد، دموعها نزلت من غير ما تحس.

افتكرت لما كانت قاعدة بتعيط من أسبوع وقالت من قهرتها:

— «نفسي يا مريم قبل ما أمو، ت أشوف البحر ولو مرة واحدة.. أشم هوا نضيف وأنسى الهم ده.»

​قالتها وهي مش قاصدة.. بس مريم “شالت الشيلة”.

​مريم لفت وشها فجأة وشافت أمها. البنت اتسمرت مكانها، الرعب ظهر في عينيها إنها تضربها.

همست بخوف:

— «يا ماما.. كنت عايزة أفاجئك.. عشان تروحي المصيف وتكتبي على الرمل وتنسي التعب.. أنا جمعت قرب المبلغ خلاص.»

​فاطمة اترمت على ركبها في وسط الشارع، وحـــــــ، ضنت بنتها لدرجة إن مريم كانت هتتخــــــ، نق.

مكتش زعلانة.. كانت “موجوعة” إن طفلة تشيل هم أكبر من سنها بكتير.

​قامت فاطمة ومسحت دموع بنتها، وقالت بصوت قوي:

— «يا مريم.. أنا فخورة بيكي وبحبك ليا، بس اللي عملتيه ده غلط يا بنتي. إحنا مابنمدش إيدنا لحد.»

​مريم وطت راسها في الأرض.

كملت فاطمة وهي بتمزق الكرتونة:

— «الفلوس اللي بتيجي بتعبنا وشقانا هي اللي فيها البركة. إحنا آه فقرا، بس كرامتنا فوق كل شيء.. والكرامة مابتمِدش إيدها.»

​سكتت لحظة واعتذرت بمرارة:

— «أنا اللي آسفة.. أنا اللي حملتك همومي وحكيتلك وجعي وأنتي لسه صغيرة. ده حملي أنا، مش حملك أنتي يا مريم.»

​مسكت إيد بنتها بقوة وقالتلها:

— «أنا هشوف البحر يا مريم.. بس لما أشتغل وأجيب تمنه بلقمتي الحلال. وأنتي؟ مهمتك الوحيدة إنك تروحي مدرستك وتذاكري وتكبري وتكوني أحسن مني.»

​رجعوا البيت سوا، والشنطة كانت خفيفة من الفلوس اللي قرروا يرجعوا جزء منها للجامع أو للفقرا اللي زيهم.. بس قلب مريم كان مليان بأغلى درس في حياتها.

​العبرة:

الفقر مش عيب، العيب إننا نبيع كرامتنا عشان الفلوس.. والأطفال مكانهم المدرسة، مش شيل هموم الكبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى