أخبار

طفلها المصاب بالتوحد

انفتح المجلد على شاشة التلفاز كأنه فمٌ واسع. توقفت ريم عن الابتسام. أما أنا، فشعرت أن يديّ تجمدتا، لأن ياسر لم يكن يفعل شيئًا دون أن يفكر فيه ثلاث مرات. وإذا كان هذا المجلد موجودًا، فهذا لم يكن غضبًا. كان ذاكرة. في السطر الأول ظهر تاريخ. فجر اليوم الذي رحلت فيه ريم. ثم ظهرت صورة.

ياسر، في الخامسة من عمره، نائم على مقعدي القديم، يحتضن ديناصورًا صغيرًا من القماش. وعلى صدره كانت ورقة ريم، مكتوبة بقلم أزرق
لا أستطيع تحمّله تولّي أمره أنتِ.
وقفت ريم فجأة.
هذا شيء خاص!
لم يرمش ياسر.
هذه حياتي.
اقترب الأستاذ سامر من التلفاز ووجهه شاحب. أما محامي ريم، فشدّ فكه، لكنه لم يقل شيئًا. لم يعد يبدو واثقًا كما كان وهو يحمل حقيبته السوداء.
لمس ياسر جهازه اللوحي مرة أخرى.
فظهرت تسجيلات صوتية.
قالت ريم بسرعة
لا تشغّلها.
انكسر صوتها.
وللمرة الأولى منذ دخولها بيتي، لم تعد تبدو كامرأة أنيقة. بدت مثل الطفلة المدللة التي كانت تكسر الأطباق عندما لا تحصل على ما تريد.
خفض ياسر الصوت قبل التشغيل.
كان دائمًا يفكر في أذنيّ، وفي أذنيه، وفي كل شيء.
ثم امتلأت غرفة الجلوس بصوت ريم
هذا الطفل ليس طبيعيًا يا أمي. لا أستطيع أن أعيش وأنا أعتني بشخص لا يعانقني حتى.
ثم تسجيل آخر
إذا كنتِ تدافعين عنه إلى هذا الحد، فاحتفظي به. أنا سأبدأ حياتي من جديد.
ثم تسجيل ثالث
لا تبحثي عني من أجل المصاريف. لست مضطرة أن أصرف على خطأ.
شعرت أن ساقيّ .
كنت قد سمعت تلك الجمل قبل سنوات، لكن سماعها مرة أخرى أمامها كان كأنني أخرج سكينًا صدئًا من جرحٍ قديم.
نظرت ريم إلى محاميها.
قل لهم إن هذا لا قيمة له.
تنحنح المحامي وقال
التسجيلات يمكن فيها.
أومأ ياسر برأسه، وكأنه كان يتوقع هذه الجملة.
المجلد التالي.
تبدلت الشاشة.
ظهرت إيصالات طبية.
جلسات تخاطب.
طبيب أعصاب أطفال.
طبيبة نفسية.
نظارات.
أدوية.
تشخيصات.
تقارير مدرسية.
فواتير من المكتبة التي كنت أشتري منها البطاقات المصورة، وأغلف الجداول اليومية، وأصنع بطاقات تساعده على أن يقول أتألم، أنا خائڤ، أحتاج إلى الهدوء.
كل ملف كان مؤرخًا.
كل دفعة مالية كانت مصورة.
كل مصروف كان باسمي.
ولا شيء كان باسم ريم.
نظر إليّ الأستاذ سامر بمزيج من الخجل والأمل.
ياسر هل أنت من فعل كل هذا؟
عدّل حفيدي الجهاز اللوحي فوق ساقيه.
منذ كنت في الرابعة عشرة.
وضعت يدي على فمي.
في الرابعة عشرة، بينما كنت أظن أنه يصلح هاتفي فقط ويصمم صفحات لبيع الفطائر، كان يبني جدارًا.
ليس جدارًا من الكراهية.
بل من الحقيقة.
أطلقت ريم ضحكة جافة.
هذا لا يغيّر أنني أمه.
نظر إليها ياسر.
تغيّر الأمر عندما رحلتِ.
قالت بسرعة
كنت مريضة.
أجابها بهدوء
لا.
كانت الكلمة منخفضة، لكنها قطعت الغرفة كالسيف.
ثم فتح مجلدًا فرعيًا اسمه
التناقضات.
ظهرت منشورات ريم على مواقع التواصل.
صور في دبي.
صور في بيروت.
صور في مطاعم فاخرة في عبدون.
تواريخ واضحة.
الحادي عشر من أيار
أخيرًا حرة من الأعباء.
الثالث والعشرون من تموز
حياتي الجديدة تبدأ اليوم.
الخامس من كانون الثاني
عام جديد بلا دراما، بلا أطفال، بلا مشاكل.
كنت أتذكر تلك الصور.
رأيتها ليالي كثيرة والهاتف في يدي، أبكي بصمت في المطبخ، بينما كان ياسر ينام بسماعاته لأن أصوات الألعاب الڼارية في نهاية العام كانت تجعله يرتجف.
لم تصل إليه.
تراجع ياسر إلى الخلف، ووقف الأستاذ سامر بينهما.
سيدتي، لا تلمسيه.
رمقته ابنتي بنظرة حادة.
إنه ابني.
قال سامر، وهذه المرة لم يرتجف صوته
إنه قاصر وله حقوق. وأنتِ حاولتِ الآن انتزاع جهازه منه أثناء اجتماع قانوني.
لجنة. جدتي لا تستطيع صرفه. وريم أيضًا لا تستطيع.
فقدت ابنتي لون وجهها.
لكنك قلت إنها ثلاثة ملايين ومئتا ألف دولار.
نعم.
أين هي؟
محمية.
الكلمة كأنها باب حديدي أُغلق بقوة.
نظرت ريم إلى محاميها .
أنت قلت لي إننا نستطيع طلب الوصول إليها.
خفض صوته
لو لم تكن هناك بنية قانونية، نعم. لكن إذا كان هناك صندوق ائتماني
أنت قلت إن الأمر سهل!
سمعتها.
وسمعها الجميع.
حتى هي أدركت متأخرة ما اعترفت به للتو.
ابتسم الأستاذ سامر لأول مرة.
لم تكن ابتسامة واسعة.
كانت شرارة صغيرة.
شكرًا لكِ يا سيدة ريم.
عضّت شفتيها.
ولمس ياسر الجهاز اللوحي من جديد.
هذه المرة ظهر مستند موقّع لدى كاتب عدل.
عرفت ذلك اليوم.
كان بعد بيع التطبيق. ذهبنا إلى وسط عمّان، مررنا بشوارع قديمة، ثم اشترى ياسر لي قهوة وقال إن رائحتها لا تزعجه إذا جلسنا بعيدًا عن الزحام. بعد ذلك أخذني إلى مكتب وقال إنه يحتاج إلى ترتيب المستقبل.
ظننت أنها أوراق تخص الشركة.
لم أفهم كل شيء.
وقّعت فقط حيث شرح لي كاتب العدل أن الأمر لا يسلب شيئًا من حفيدي، بل يحميه.
كان اسمي ظاهرًا على الشاشة
أمينة ناصر.
مقدّمة الرعاية الأساسية المعترف بها في القرارات الطبية والتعليمية والدعم اليومي.
لم تكن حضانة كاملة، لكنها كانت مرساة.
كاد الأستاذ سامر يضحك من شدة الارتياح.
ياسر يا ولدي المبارك
هزّ كتفيه ببساطة.
قرأت.
ضړبت ريم الطاولة.
عمره ستة عشر عامًا! لا يستطيع أن يقرر وحده!
نظر إليها ياسر دون ڠضب.
لهذا لم أقرر وحدي.
رُنّ جرس الباب.
التفتنا جميعًا.
فتح الحارس من الخارج، ودخلت امرأة ترتدي بدلة
رمادية، شعرها مرفوع، وتحمل ملفًا رسميًا. وخلفها رجل يحمل بطاقة تعريف.
قالت
مساء الخير. أنا الأستاذة هبة العابد، من وحدة حماية الأسرة والطفل.
شعرت أن روحي خرجت من جسدي.
من اتصل بكِ؟
رفع ياسر يده.
أنا. في الساعة الحادية عشرة واثنتين وأربعين دقيقة. قبل أن تصل ريم.
نظرت الأستاذة هبة إلى ريم، ثم إليّ، ثم إلى ياسر.
وصلنا بلاغ عن احتمال وجود خطړ عائلي ومالي على قاصر. كما أُبلغنا بوجود حالة من طيف التوحد والحاجة إلى تهيئة مناسبة أثناء أي مقابلة.
فتحت ريم عينيها بدهشة.
هذه مؤامرة.

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى