أخبار

طفلها المصاب بالتوحد

لم تتأثر الموظفة.
لا يا سيدتي. هذا إجراء.
أعاد ياسر سماعاته إلى أذنيه، لكنه ترك واحدة مرفوعة قليلًا. هذا كان يعني أنه يريد أن يواصل السماع، لكن العالم أصبح صاخبًا أكثر مما ينبغي.
لاحظت الأستاذة هبة ذلك.
فخفضت صوتها.
ياسر، هل تريد أن نواصل هنا أم تفضّل مكانًا آخر؟
أشار حفيدي إلى غرفة الجلوس.
هنا. مع أمينة.
لم يقل جدتي.
قال اسمي.
لكنها في فمه بدت كأنها كلمة بيت.
وقفت ريم.
لن أسمح أن يهينني أحد.
فتحت الأستاذة هبة ملفها.
لا أحد يهينكِ. نحن نوثّق حالة. سيكون بإمكانكِ الإدلاء بأقوالك.
ريم
أنا جئت من أجل ابني!
ضغط ياسر أصابعه على الجهاز اللوحي.
رأيت ذلك.
كانت إشارة صغيرة.
تغيّر تنفسه.
الضجيج، والأصوات، والانفعالات كل شيء بدأ يرتفع حوله مثل موجة.
اقتربت منه ببطء.
يا بني، انظر إلى الستارة الزرقاء.
أدار وجهه قليلًا.
في بيتنا كانت هناك ستارة زرقاء خصيصًا لهذا الأمر. كي يثبت نظره عليها عندما يفقد العالم شكله.
همست
واحد اثنان ثلاثة.
تنفس معي.
نظرت إلينا ريم بانزعاج.
دائمًا تعاملينه كأنه زجاج.
عندها رفع ياسر رأسه.
أنا لست زجاجًا.
خرج صوته أوضح من أي مرة.
أنا ذاكرة.
لم يتحرك أحد.
تابع
فكرتِ به بهذه الطريقة.
فقدت ابنتي صبرها.
أنا من أعطيتك الحياة!
ياسر سماعاته تمامًا.
وهذا أخافني أكثر من أي .
قال
أمينة علّمتني كيف أعيشها.
رفعت ريم يدها.
لا أعرف إن كانت ستشير إليه، أو تسكته، أو الطاولة.
لكنها لم تصل إلى شيء.
تقدمت الأستاذة هبة خطوة.
سيدة ريم، تم تدوين ذلك. أنصحكِ ألا تتابعي.
أمسكها محاميها من ذراعها.
لنذهب.
قالت
لا.
كرر
ريم، لنذهب.
نظرت إليّ بكراهية.
أنتِ جعلته ضدي.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا، لم تؤلمني كلماتها.
قلت
لا يا ابنتي. أنتِ تركتِه بعيدًا عنكِ، وانتظرتِ أن يعيده المال إليكِ.
التوى وجهها.
ستندمين.
شغّل ياسر التلفاز مرة أخرى.
ظهرت كاميرا المراقبة عند المدخل.
كل ما حدث منذ وصول ريم كان مسجلًا.
بما في ذلك .
تنهد الأستاذ سامر.
سيدتي، أرجوكِ لا أكثر.
نظرت ريم إلى الشاشة.
ثم إلى البيت.
ثم إلى ياسر.
كانت هناك ثانية واحدة، ثانية فقط، ظننت فيها أنها ستعتذر.
اعتذارًا حقيقيًا.
متواضعًا.
متأخرًا، لكنه إنساني.
لكنها أمسكت حقيبتها، وعدّلت شعرها، وقالت
الأمر لن ينتهي هنا.
أُغلق الباب خلفها.
وغادرت السيارة البيضاء، تاركة خلفها رائحة الوقود والعطر الغالي.
لم يتكلم أحد لبعض الوقت.
في الخارج، بقيت عمّان هادئة، بذلك الهدوء المخادع للمدن الكبيرة. سمعنا بائعًا ينادي على الخبز. ومن بعيد نبح كلب. وفي المطبخ بدأ الأرز يلتصق بقاع القدر.
ركضت لإطفاء الڼار.
كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني كدت الغطاء.
وعندما عدت، كان ياسر ما زال جالسًا.
الجهاز اللوحي مطفأ.
ونظره ثابت على الستارة الزرقاء.
جلست على ركبتي أمامه، دون أن أقتحم مساحته.
يا بني.
تأخر في الرد.
رأسي يؤلمني.
أجهز لك غرفتك.
لا.
نظر إليّ.
كانت عيناه جافتين، لكنهما متعبتان.
هل فعلت الصواب؟
انكسرت.
ليس پبكاء جميل.
بل بنشيج قديم، نابع من سنوات طويلة.
فعلت أكثر مما استطعنا جميعًا فعله.
فكر في الجملة.
ثم قال
كنت خائفًا.
وأنا أيضًا.
لم أرد أن تأخذ منكِ البيت.
هذا البيت لا يساوي شيئًا أمامك.
قطّب جبينه.
بل يساوي. فيه حديقة. وإضاءة قابلة للتخفيف.
ضحكت وأنا أبكي.
وابتسم هو قليلًا.
خط صغير جدًا، يكاد لا يُرى.
لكنه بالنسبة لي كان فجرًا.
في تلك الليلة، تركت الأستاذة هبة إجراءات حماية مؤقتة. لم يعد بإمكان ريم الاقتراب دون إشعار أو ضغط. وسيبدأ إجراء لمراجعة التخلي، وحماية ياسر، وتثبيت ما كان حقيقة بلا ختم طوال أحد عشر عامًا
أنني كنت بيته.
بقي الأستاذ سامر حتى وقت متأخر.
راجع الصندوق الائتماني، والأوراق الموثقة، والأدلة. شرح لي أن الطريق ما زال طويلًا، وأن المحاكم ليست عصا سحرية، وأن العدالة كثيرًا ما تمشي ببطء وتعب.
لكنها تمشي.
والآن صار لدينا شيء لم يكن لدينا من قبل.
صوت ياسر.
في اليوم التالي، قبل الذهاب إلى الجهة المختصة، أعددت له فطوره المفضل أرز، وبيض دون أطراف محمرة، وموز مقطع إلى دوائر متساوية. رتّب كل دائرة كأنها كوكب.
قال
أمينة.
نعم يا بني؟
عندما أبلغ الثامنة عشرة، أريد أن أنشئ مؤسسة.
من أجل ماذا؟
من أجل الجدات بلا أوراق.
شعرت بضړبة في صدري.
الجدات بلا أوراق؟
نعم. اللواتي يعتنين، لكن القانون لا يراهن بسرعة. ومن أجل الأطفال الذين لا يستطيعون الشرح.

2 من 2التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى