منوعات

رجوعي البيت

خيوط الوهم والسر المدفون
في لحظة واحدة ممكن حياتك كلها تتشقلب، وممكن شخص كنت مستعد تحلف إنه مستحيل يخونك، يبقى هو نفسه السبب في أكبر صدمة تعيشها. عمري ما كنت مؤمن بالكلام ده، وكنت دايمًا بقول إن الثقة بين الزوجين أهم من أي حاجة، وإن اللي بيحب بجد عمره ما يشك. لكن بعد اللي شوفته بعيني في اليوم ده، بقيت أشك حتى في ذكرياتي.
أنا كريم، متجوز سارة بقالنا أربع سنين. حياتنا كانت هادية جدًا، زي أي بيت فيه شوية مشاكل وشوية ضحك وشوية خناق بيتنسي بعد ساعة. عمرها ما ادتني سبب أشك فيها، وعمر أبويا ما خلاني أحس إنه ممكن يعمل حاجة تخليني أبصله بنظرة مختلفة. بالعكس، كنت شايف إن الاتنين أقرب الناس ليا، وكنت مطمن إن بيتي في أمان طول ما هما فيه. أمي توفت وأنا صغير، وأبويا حامد كان بالنسبة ليا الأب والأم والسند، راجل وقور، صاحب هيبة، ومقاول معروف بنزاهته وأخلاقه وسط السوق. لما اخترت سارة، بارك جوازنا ودعمنا بكل ما يملك، وكان دايماً يتعامل معاها كأنها بنته اللي مخلفهاش.
اليوم ده بدأ عادي جدًا. نزلت شغلي الصبح، وسارة وقفت تودعني على الباب وهي بتضحك، وقالتلي لو خلصت بدري النهارده ارجع، وحشتني. ابتسمت وأنا بهزر معاها وقلت لو المدير وافق، هاجي أجري. وقتها ماكنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل ترن في وداني بعد ساعات، لكن بمعنى مختلف تمامًا. كان في قلبي راحة غريبة وسعادة دافية، وكنت حاسس إن الدنيا بتضحكلي.
قبل نهاية الدوام بحوالي ساعتين، حصل عطل مفاجئ في شبكة الحواسيب الرئيسية بالشركة، والمدير قال إن الشغل هيتأجل لبكرة، واللي خلص يقدر يروح. فرحت جدًا، وقلت دي فرصة أفاجئها وأكسر روتين الأيام الرتيب. عدّيت على محل الورد وجبت البوكيه اللي كانت كل ما تشوفه في الإعلانات تقول نفسي حد يجيبهولي من غير مناسبة. ورد جوري أحمر يفوح منه الأمل. وبعدها اشتريت تورتة صغيرة بنكهة الشوكولاتة المفضلة لديها، علشان نتعشى سوا ونقضي سهرة لطيفة بعيد عن ضغط الأيام.
وأنا طالع العمارة، لفت انتباهي عربية أبويا، المرسيدس السوداء المميزة، واقفة تحت. استغربت شوية، لأنه عمره ما بيزورني من غير ما يكلمني الأول، خصوصاً في أوقات العمل. حاولت أقنع نفسي إنه أكيد عدى يطمن علينا، أو يمكن سارة طلبت منه يساعدها في حاجة تخص البيت، أو يمكن شعر بتعب مفاجئ وهو قريب من منطقتنا فقرر الاستراحة. ماكنتش حابب أفكر في أي احتمال تاني، لأن مافيش أصلًا احتمال تاني يخطر على بال إنسان طبيعي يعشق زوجته ويحترم أباه.
طلعت السلم وأنا شايل الورد والتورتة، والابتسامة تملأ وجهي. لكن أول ما وقفت قدام باب الشقة، سمعت صوت أغنية عالية، إيقاع شرقي صاخب، جاية من جوه. استغربت أكتر، لأن سارة مش من النوع اللي يشغل الأغاني بالصوت ده، خصوصًا وهي لوحدها، فهي تميل للموسيقى الهادئة أو الكلاسيكية. وأنا بدور المفتاح في الباب ببطء شديد كي لا أفسد المفاجأة، سمعت ضحكة راجل واضحة جدًا، ضحكة عميقة ومألوفة.
في اللحظة دي، إيدي وقفت مكانها.
الضحكة دي… أنا حافظها من وأنا طفل.
كانت ضحكة أبويا.
قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، ونبضاته أصبحت تصم آذاني، وحسيت إن فيه حاجة مش طبيعية، هواء الشقة بدا وكأنه مشحون بتوتر خفي. فتحت الباب بهدوء مبالغ فيه، ودخلت من غير ما أعمل أي صوت. الصوت كان جاي من ناحية الصالون الكبير، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتزود إحساس غريب جوايا،

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى