أخبار

أمي سحبت حبّها مني لأنني اخترت عائلة “غير كاملة”… وبعد 3 سنوات…

نشأ بعض الناس وهم يعتقدون أن الحب لين متسامح ويغفر بسهولة. أما أنا فقد نشأت وأنا أتعلم أن الحب يمكن قياسه وفحصه وسحبه بهدوء إذا فشلت في استحقاقه. علمتني أمي هذا الدرس في وقت مبكر. عندما غادر والدي منزلنا لم تكن هناك دموع ولا صراخ. لم تغلق الأبواب بعىف يعقبه ندم.

 

راقبته وهو يرحل فحسب نزعت صورة زفافهما من الحائط وألقتها في الىار دون تردد. ثم التفتت إلي. كنت في الخامسة من عمري أقف ثابتا جدا وقد بدأت أدرك أن الصمت يمكن أن يكون نوعا من الأمان.
قالت لي نحن وحدنا الآن يا جوناثان. ونحن لا ننكسر.
تلك الجملة أصبحت أساس طفولتي.
لم تربني أمي على العناق أو حكايات ما قبل النىوم. ربتني على القواعد والمعايير والتوقعات التي لا تهدأ. التحقت بأفضل المدارس. تعلمت العزف على البيانو قبل أن أتعلم كيف أعبر عن الإحباط. تدربت على الوقفة الصحيحة والتواصل البصري وكتابة رسائل الشكر بخط متقن. كان كل خطأ درسا وكل نجاح لا يفعل سوى رفع السقف أعلى.
لم تكن تهيئني للسعادة. كانت تهيئني للاحتمال.
وحين بلغت أواخر العشرينيات فهمت أمرا مهما مهما بلغت من إنجاز سيظل رضا أمي بعيد المنال. وببطء وبهدوء توقفت عن ملاحقته.
في تلك الفترة تقريبا تعرفت إلى آنا.
لم أكن أخطط لإخبار أمي عنها فورا. العادات القديمة تمىوت بصعوبة. لكن الصدق بدا أسهل من السرية فطلبت من أمي أن نلتقي على العشاء في أحد مطاعمها المفضلةمن تلك الأماكن التي تخفض فيها الأصوات وتطوى المناديل بدقة.
وصلت مرتدية الأزرق الكحلي لون السلطة لديها وطلبت النبيذ قبل أن أجلس.
قالت وهي تتفحصني حسنا هل هذا خبر مهم أم أننا نضيع الوقت
قلت أنا أواعد شخصا.
شحذ الاهتمام في عينيها فورا. أخبرني عنها.
قلت اسمها آنا. ممرضة. تعمل ليلا في عيادة قرب المستشفى.
لمحت وميض موافقة عابرا على وجهها.
قالت ثابتة. مسؤولة. جيد.
أضفت لديها ابن. اسمه آرون. عمره سبع سنوات.
كان التوقف دقيقا لكنه موجود. رفعت كأسها أخذت رشفة محسوبة وأعادت التقييم.
قالت بنبرة متزنة تلك مسؤولية كبيرة.
قلت بسرعة هي أم رائعة وآرون طفل طيب. قال لي الأسبوع الماضي إنني الشخص البالغ المفضل لديه.
قالت بنبرة أبرد لا شك أنها تقدر الدعم. الرجال الذين يتدخلون مفيدون.
لم تذكر اسم آنا مرة أخرى تلك الليلة.
بعد أسابيع قليلة وعلى الرغم من أن كل حدسي كان يحذرني قدمتهما لبعضهما.
التقينا في مقهى صغير قرب شىقتي. وصلت آنا متأخرة تعتذر وهي تدخل مسرعة وبجانبها آرون. ألغت الحاضنة الموعد. لم يكن هناك بديل.
بدت آنا كما هي دائما طيبة مرهقة قليلا حقيقية. تشبث آرون بيدها يحدق بفضول في واجهة الحلويات.
استقبلتهما أمي بلباقة لكن الدفء لم يدخل المكان.
قالت لآنا لا بد أنك مرهقة.
أجابت آنا بابتسامة صغيرة أنا كذلك. هذا جزء من العمل.
سألت أمي آرون سؤالا واحدا عن المدرسة. حين قال إن مادته المفضلة هي الرسم ابتسمت ابتسامة رفيعة وانسحبت تماما. وعندما جاء الحساب دفعت لنفسها فقط.
في طريق العودة كانت آنا تنظر إلى الأمام.
قالت بهدوء إنها لا تحبني.
قلت إنها لا تعرفك.
أجابت هي لا تريد أن تعرفني.
مر عامان.
بنيت أنا وآنا حياة هادئة معا. حياة تقوم على صباحات مشتركة وضحك متعب وانتصارات صغيرة لروتين يومي. صار آرون مرتاحا بقربي. مرتاحا بما يكفي ليثق. مرتاحا بما يكفي لينتمي.
ذات بعد ظهر طلبت مني أمي أن نلتقي في معرض بيانو في وسط المدينة. مكان كانت تحبه وكانت تقول إنه يكشف العيوب بلا رحمة.
مرت أصابعها على سطح بيانو كبير مصقول.
قالت إذن هل هذه العىلاقة متجهة إلى مكان ما
أجبت دون تردد نعم. طلبت من آنا الزواج.
تجمدت يدها في الهواء.
قالت أفهم.
أضفت وافقت.
قومت سترتهابطت نظرها إلي أخيرا.
قالت بحذر إن تزوجتها فلا تطلب مني شيئا. أنت تختار تلك الحياة.
لم يكن هناك غضب ولا نقاش. كان إقصاء فقط.
انتظرت الشك. لم يأت.
وهكذا مضيت.تزوجنا أنا وآنا بهدوء في فناء خلفي تزينه أضواء صغيرة وضحكات صادقة. انتقلنا إلى منزل مستأجر متواضع أدراجه عنيدة وفي فناءه شجرة ليمون. طلى آرون غرفته بالأخضر وضغط كفيه على الجدران تاركا آثارا لم نمحها يوما.
لم تكن حياتنا مبهرة وفق معايير أمي. لكنها كانت ممتلئة.
في إحدى الأمسيات بعد سنوات رن هاتفي. ظهر اسم أمي على الشاشة.
قالت كما لو أن الزمن لم يمض إذن هذه هي الحياة التي اخترتها.
قلت هي كذلك.
تابعت أنا في المدينة. أود أن أراها. أرسل لي العنوان.
عندما أخبرت آنا ابتسمت فحسب.
قالت دعها تأتي. هذه نحن.
وللمرة الأولى لم أكن خائفا مما قد تراه أمي.
وصلت أمي في اليوم التالي تماما في موعدها.
كانت كعوبها تصدر طقطقة حادة على خرسانة الممر غير المستوية صوتا مألوفا شد شيئا في صدري. شممت عطرها قبل أن أراها الرائحة الحادة نفسها التي ارتدتها طوال طفولتي. كانت تعلن حضورها كما كانت تفعل دائما قبل أن تقال كلمة.
عندما فتحت الباب تجاوزتني دون تحية.
تحركت عيناها بسرعة تفحصان كل شيء كما لو كانت تعاين عقارا لا تدخل بيتا.
الأريكة من متجر مستعمل.
طاولة القهوة المخدوشة.
سلة الأحذية غير المتطابقة قرب الباب.
توقفت داخل غرفة المعيشة ومدت يدها إلى إطار الباب قبضت عليه بخفة كأنها تتوازن.
قالت يا إلهي. ما هذا
لم يكن سؤالا. كان حكما.
تابعت سيرها بحذر على السجادة البالية. مر بصرها على كل سطح وتوقف عند الثلاجة المليئة بالمغناطيس وتقويم العائلة المدون بمواعيد المدرسة ونوبات العمل وكومة كتب المكتبة التي تنتظر الإرجاع.
لا شيء هنا يطابق فكرتها عن النجاح.
لا شيء معد للاستعراض.
لا شيء يتظاهر بأنه غير ما هو عليه.
لم أسرع إلى الشرح. للمرة الأولى تركت الصمت يقوم بالمهمة.
توقفت في الممر.
تعلقت عيناها بآثار كفين باهتتين خارج باب غرفة آرون. طلاء أخضر غير متساو قليلا. بصمات أيد صغيرة مضغوطة بفخر في لون طازج.
حدقت فيها أطول مما توقعت.
في زاوية غرفة المعيشة وقف البيانو القائم. قديم. متأثر. آلة مستعملة قمت بضبطها بنفسي مرتين. مفتاح واحد عالق. والدواسة اليسرى تصدر صريرا. كان ناقصا على نحو لم تتحمله أمي يوما.
ظهر آرون من المطبخ يحمل علبة عصير.
نظر إلى أمي.
ثم إلى البيانو.
دون كلمة صعد إلى المقعد وبدأ يعزف.
كان اللحن مترددا وغير متساو في مواضع لكنه واضح لا لبىس فيه.
شوبان.
المقطوعة نفسها التي أجبرتني أمي على التدرب عليها بلا نهاية وأنا طفل. المقطوعة التي تركت أصابعي تؤلىمني وثقتي هشة.
استدارت أمي عند الصوت.
ولم تتحرك بعدها.
سألت بهدوء أين تعلم هذا

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى