عام

ليلة أمس حين ضربني ابني

وقفت وحدي في المطبخ أستند على الطاولة…

وأدركت حقيقة واحدة:

لم أعد آمنة… في بيتي.

عند الواحدة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل أمسكت هاتفي.

لم يكن الاتصال به جديدًا كنا نتحدث أحيانًا عن أشياء عادية… سطحية…
كنت أطمئنه دائمًا أن ياسين بخير وأخفي كل ما عدا ذلك.

لكن هذه الليلة لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه.

ضغطت زر الاتصال.

عبد القادر.

ردّ بصوتٍ مثقل بالنوم:
“نعم؟”

ترددت لحظة ثم قلت بصوتٍ بالكاد خرج:
“ياسين… ليس بخير كما كنت أقول.”

ساد صمت قصير ثم سأل بهدوء:
“ماذا حدث؟”

أغمضت عينيّ وكأنني إن بدأت… لن أستطيع التوقف.

“كنت أكذب عليك… طوال الوقت.”

سكتُّ لحظة… ثم اندفعت الكلمات:

“لم يكن يعمل كما أخبرتك كان يترك كل عمل بعد أيام ويعود يطلب المال وفي كل مرة… كنت أعطيه.”

أنفاسي تسارعت… لكنني أكملت:

“صار يرفع صوته عليّ يتعامل معي وكأنني… لا شيء…
وأنا… كنت أبرر أقول إنها مرحلة وستمر.”

صمتُ لحظة ثم خرج صوتي أضعف:

“يسهر خارج البيت يعود في أوقات متأخرة…
وأنا لا أسأل أخاف أن أغضبه…”

لم يقاطعني.

فأكملت وكأنني أُخرج ما تراكم داخلي لسنوات:

“استدان من الناس… دون أن يخبرني تورّط في أمور لا أفهمها وأنا كنت أغطي عليه وأدفع حتى لا يقع في مشكلة.”

توقفت لحظة ثم قلت ببطءٍ مؤلم:

“لم أكن أحميه كنت أساعده أن يضيع أكثر.”

ساد صمت ثقيل.

ثم جاءت الجملة التي أنهت كل شيء:

“الليلة… طلب مالًا… ورفضت.”

سكتُّ… ثم همست:

“فضربني.”

هذه المرة… لم يكن الصمت عاديًا.

كان طويلاً… قاسيًا…

ثم جاء صوته… مختلفًا تمامًا:
“منذ متى يحدث هذا؟”

اخبرته كل شيء ومنذ سنوات إتفقنا على قرار واحد.

لم أنم.

في الرابعة صباحًا… بدأت أعدّ الفطور.

خبز ساخن… شاي… بيض، كل شيء مرتب بعناية.

وأخرجت مفرش الطاولة المطرّز.

لم يكن احتفالًا.

كان… قرارًا.

قبل السادسة بقليل وصل عبد القادر.

لم يكن وصوله مفاجئًا…
فقد اتفقنا على كل شيء منذ مكالمتي معه في الليلة الماضية.

شعره غزاه الشيب وملامحه أصبحت أكثر صرامة،
لكن عينيه كانتا ثابتتين… كأنهما تعرفان ما الذي يجب فعله.

دخل دون تردد.

نظر إلى وجهي… إلى يديّ…
ثم أومأ برأسه قليلًا، وكأنه يؤكد لنفسه أن القرار الذي اتخذه كان في مكانه.

نظر نحو الدرج، ثم قال بهدوء:

“حان الوقت… أليس كذلك؟”

أجبته بصوتٍ منخفض:

“سينزل الآن… موعد فطوره.”

تبادلنا نظرة قصيرة لم نحتج فيها إلى كلام.

كل شيء… كان محسوبًا منذ الأمس.

نزل ياسين على الدرج بخطواتٍ واثقة، ولا تزال ابتسامته الساخرة على وجهه، كأن شيئًا لم يحدث في الليلة الماضية. لكنه ما إن وصل إلى آخر درجة حتى توقّف فجأة، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.

كان عبد القادر يجلس على الطاولة.

لم يتحرك… لم يتكلم… فقط رفع عينيه إليه بنظرةٍ ثابتة، خالية من أي تردد.

اختفت ابتسامة ياسين تدريجيًا، وقال ببطء:
“والدي؟”

لم يجبه أحد.

كانت أمه تقف قرب الطاولة، تُرتّب الأكواب بهدوءٍ غريب، وكأنها لا ترى التوتر الذي ملأ المكان. ثم جلست، وأشارت له أن يقترب.

“تعال… إفطارك جاهز.”

تقدّم بخطواتٍ مترددة هذه المرة، وجلس، لكنه لم يرفع عينيه عن والده.

“ما الذي تفعله هنا؟”

وضع عبد القادر يده على الطاولة، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
“اجلس.”

جلس بالفعل.

ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قبل أن تدفع الأم ظرفًا صغيرًا نحوه.

“افتح.”

نظر إليها باستغراب، ثم التقط الظرف وفتحه بلا اهتمام في البداية… لكن ملامحه تغيّرت فجأة.

توقفت أنفاسه.

عيناه تتحركان بين الأوراق بسرعة، ثم ببطء… ثم توقفتا.

رفع رأسه بحدة:
“من أين… حصلتِ على هذه؟”

أجابته دون أن ترفع صوتها:
“من الأماكن التي كنت تذهب إليها… ومن الناس الذين ظننتهم أصدقاء.”

حاول أن يضحك، لكن صوته خرج مضطربًا:
“وهل هذا يُخيفني؟”

انحنى عبد القادر قليلًا للأمام، وقال:
“يجب أن يخيفك.”

صمت.

ثم أضاف، وهو ينظر إليه مباشرة:
“هذه إيصالات أمانة… كافية لتدخلك السجــ,ــن لسنوات.”

تجمّد ياسين في مكانه.

نظر إلى أمه… ثم إلى أبيه… ثم عاد بعينيه إلى الأوراق، كأنه يحاول إنكار ما يراه.

قال بصوتٍ منخفض:
“وماذا تريدان؟”

أجاب عبد القادر دون تردد:
“أن تنقذ نفسك من الدمار.”

سكت لحظة، ثم أضاف:
“ستأتي معي.”

ارتفع صوت ياسين فجأة:
“إلى أين؟”

أجابه بهدوء:
“إلى المزرعة التي أعمل فيها… ستعمل معي هناك.”

ضحك بسخرية:
“أنا؟ أعمل في تربية المواشي؟ مستحيل.”

هنا تدخلت الأم أخيرًا، ونظرت إليه نظرةً لم يرها من قبل:
“نحن لا نطلب موافقتك.”

وضعت فنجان الشاي أمامه بهدوء، ثم قالت:

“إما أن تذهب معه اليوم… وتعمل لتسدد ما عليك،
وإما أن تذهب هذه الأوراق إلى الشرطة.”

ساد صمتٌ ثقيل.

لم يكن تهديدًا…
بل حقيقة جاهزة.

نظر إليهما… ثم إلى يده التي لا تزال تمسك بالأوراق.

ولأول مرة منذ سنوات…

لم يجد ما يقوله.

رفعت الأم عينيها إليه، وقالت بهدوءٍ قاطع:

“هذه آخر مرة أحاول حمايتك.”

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.

لم يُجادل ياسين كثيرًا…
ولم يصرخ كما كان يفعل دائمًا.

فقط وقف، وكأن شيئًا داخله قد انطفأ فجأة، ثم قال بصوتٍ منخفض:
“متى نغادر؟”

نظر إليه عبد القادر لثوان

بعد ساعة…

كانت السيارة تشق الطريق خارج الدار البيضاء، تاركةً خلفها الزحام والضجيج، متجهةً نحو طرقٍ أطول… وأهدأ… وأكثر قسوة.

جلس ياسين في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة دون تركيز.

المدينة تبتعد والصمت يزداد.

اختفت المباني ثم الأشجار…
ثم أي علامةٍ على الحياة التي اعتادها.

الأرض صارت أكثر جفافًا، والهواء أكثر حرارة، حتى وصلا إلى أطرافٍ بعيدة من ضواحي مراكش، حيث لا شيء يشبه ما تركه خلفه.

توقفت السيارة أخيرًا.

نزل عبد القادر أولًا، ثم أشار له دون كلام.

“انزل.”

فتح ياسين الباب ببطء، وما إن وضع قدمه على الأرض حتى شعر بشيءٍ غريب.

الصمت هنا مختلف…
ثقيل… كأنه يراقبك.

نظر حوله أرض ممتدة سياج بسيط…
وبعيدًا، قطيع من الغنم يتحرّك ببطء.

اقترب رجلٌ مسنّ، حيّا عبد القادر، ثم نظر إلى ياسين نظرة سريعة قبل أن ينصرف.

قال ياسين بحدة:
“ما هذا المكان؟”

أجابه والده وهو يتقدّم:
“مكان ستتعلّم فيه.”

توقف ياسين لحظة، ثم قال بنفاد صبر:
“وأتعلم ماذا تحديدًا؟”

لم يُجب عبد القادر فورًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى