
وصلتني الرسالة وأنا أقف في مطبخ شقتنا في الجزائر العاصمة، أُحضّر قهوتي كأي صباح عادي، ولم يكن في الأمر أي تمهيد؛ رقم غير معروف، لا كلمة، لا تفسير… فقط
فتحتُه.
-
اعتاد عميمنذ ساعتين
-
كذبتُ على والدي وقلت له إنني رسبتمنذ 22 ساعة
-
في التاسعة والثلاثين من عمريمنذ يومين
وفي ثوانٍ قليلة… انه,.ار كل شيء.
لم يكن الألم صاخبًا كما تخيّلت، لم أصرخ، لم أبكِ، بل تسلّل إلى داخلي هدوء بارد، كأن قلبي قرر أن يتوقّف عن الشعور حتى لا ينهار بالكامل.
كان يوسف… زوجي.
نفس الرجل الذي وثقت به دون سؤال، وأحببته ، كان هناك بصورة لم أكن مستعدة لرؤيتها، صورة مزّقت كل ما بنيته عنه في داخلي.
في الثواني الأولى لم أتعرف عليها، لكن الأمر لم يحتج سوى لحظات قليلة حتى استقرت الحقيقة في داخلي كطعنة بطيئة.
كانت سمية…
زميلته في العمل… نفس المرأة التي كانت تبتسم لي كلما رأتني، وتقول أمام الجميع: “أنتِ محظوظة به… رجل لا يتكرر.”
وفي لحظة واحدة… عادت إليّ تفاصيل كنت أراها عادية تمامًا؛ صباحات كنت أُحضّر له فيها الفطور بعناية، فيأخذ لقمة أو اثنتين ثم يبتسم ويقول إنه سيفطر مع سمية في العمل…
فأضحك دون أن أفهم، وأكمل يومي طبيعي.
مكالمات قصيرة كانت تقطع حديثنا فجأة، فيعتذر بهدوء ويقول: “سمية تسأل عن ملف عاجل”
فأهزّ رأسي بتفهم، ولا يخطر ببالي أن هناك ما هو أبعد من العمل.
رسائل متأخرة في الليل، يقرأها بصمت ثم يقلب هاتفه على الطاولة، وعندما أسأله يبتسم ويقول إنها مجرد أمور تخصّ العمل… فأصدقه.
زياراتي القليلة إلى مقرّ عمله، حيث كنت أراهما يتبادلان كلمات سريعة ونظرات عابرة، فأفسّر كل ذلك بالزمالة فقط.
حتى تلك المرة التي تأخر فيها طويلًا، وعاد معتذرًا بتعب واضح، كنت أنا من يهدّئه وأقول له ألا يُرهق نفسه أكثر من اللازم…
كل تلك التفاصيل كانت تمرّ أمامي بهدوء…
وأنا أراها طبيعية تمامًا.
الآن فقط أفهمها كلها.
أعدتُ المقطع أكثر من مرة، لا لأنني لم أصدق، بل لأنني كنت أبحث عن كذبة صغيرة تُنقذني من الحقيقة… لكن الحقيقة كانت واضحة، قاسية، لا تترك مجالًا للهرب.
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا فقط…
أنني كنت مخدوعة.
ليس للحظة… بل لسنوات.
في تلك اللحظة، سمعت صوت الماء يتوقف في الحمام، وعرفت أن يوسف سيخرج بعد ثوانٍ، فشعرت بشيء ينغلق داخلي فجأة، وكأن قلبي اتخذ قراره.
أغلقت الهاتف، وضعت فنجان القهوة على الطاولة، وأخذت نفسًا واحدًا عميقًا، كان كافيًا ليخفي كل ما بداخلي خلف وجه هادئ لا يشبهني.
خرج يوسف بعد لحظات، كان يعدّل أزرار قميصه كعادته، يضع ساعته في معصمه، ثم اقترب مني وقبّل رأسي ببساطة، وقال بنبرة طبيعية تمامًا:
“هل أنتِ مستعدة لحفل الليلة؟”
نظرت إليه مباشرة، إلى عينيه تحديدًا، ولم أجد فيهما أي ارتباك أو خوف، ولا حتى أثرًا لذنب… وكان ذلك أكثر ما آلمني.
ليس ما رأيته في الفيديو… بل هذا الهدوء الكامل، هذه القدرة المرعبة على أن يكذب وهو يقف أمامي بكل هذا الثبات.
أجبته بصوت هادئ لا يكشف شيئًا:
“نعم… أكثر من أي وقت مضى.”
لم يلاحظ شيئًا.
أخذ مفاتيحه وخرج كعادته، بينما بقيت أنا واقفة في مكاني لثوانٍ، أستمع إلى صوت الباب وهو يُغلق… كأنه يُغلق شيئًا بداخلي.
اهتز هاتفي مرة أخرى.
نفس الرقم.
“إن كان لديك كرامة… فلا تحضري الحفل، لقد اختار يوسف بالفعل.”
قرأت الكلمات ببطء… لكن هذه المرة، لم يزد الألم.
بل هدأ.
كأن الجرح توقف عن النزيف… وكأن شيئًا آخر بدأ يتكوّن داخلي.
شيء بارد… ثابت… لا يشبه الانك,.سار.
كتبت ردًا قصيرًا:
“شكرًا على التنبيه.”
لم يصلني رد بعدها.
بعد دقائق، قررت.
بدّلت ملابسي سريعًا وذهبت الى مقر شركته
دخلت من المدخل الجانبي بخطواتٍ ثابتة، لا تحمل ترددًا، وصعدت إلى الطابق الذي تُدار منه تجهيزات الحفل…
توقفت أمام الباب لثانية واحدة فقط… ثم طرقته ودخلت.
كان سيف ابن خالتي يجلس أمام شاشات التحكم، غارقًا في متابعة التفاصيل، وحين سمع الصوت، رفع رأسه بعفوية.
اتّسعت عيناه دهشةً، وتجمّد لوهلةٍ قصيرة قبل أن يستعيد صوته، وقال بنبرةٍ لم تُخفِ ارتباكه:
“لم أتوقّع رؤيتك هنا… ما الذي جاء بكِ؟”
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم تقدّمت نحوه دون شرحٍ أو تمهيد، وأخرجت هاتفها ووضعته أمامه.
“شاهد هذا.”
لم تضف شيئًا آخر.
نظر إليها لحظة… ثم إلى الهاتف، قبل أن يأخذه ببطء، وكأن حدسه بدأ يسبق ما سيراه.
بدأ المقطع.
ومع كل ثانية… كانت ملامحه تتغير.
تقلّصت دهشته إلى صمتٍ ثقيل، شدّ فكه، ومرّر يده على وجهه كمن يحاول استيعاب ما لا يُستوعب.
أعاد المقطع مرة أخرى… دون أن يُطلب منه.
وحين انتهى، لم ينظر إليها فورًا.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم وضع الهاتف على الطاولة بحذرٍ غير معتاد، كأن ما رآه أثقل من أن يُقال ببساطة.
“هذا… يوسف؟”
جاء صوته منخفضًا، لكنه كان يحمل ما يكفي من الصدمة.
أومأت برأسها فقط.
رفَع عينيه إليها أخيرًا، وكانت نظرته مختلفة… لم تعد دهشة، بل شيء أقرب إلى القلق.
“وماذا تريدين أن تفعلي؟”
اقتربت خطوة واحدة، وقالت بنبرة هادئة تمامًا، كأن القرار لم يُتخذ الآن… بل منذ وقت:
“الفيديو الافتتاحي الليلة… أريده أن يتغير.”
فهم.
ظهر ذلك في صمته.
لكنّه لم يوافق.
أسند ظهره إلى الكرسي ببطء، ثم قال:
“أنتِ تدركين أن هذا سيكون نهاية زواجك؟”
نظرت إليه بثبات، ثم قالت بهدوء:
“أعلم ذلك جيدًا.”
ثم أضافت بصوتٍ منخفض، لكنه قاطع:
“لم يعد ما بيننا زواجًا… بل كذبة.
مرّت ثوانٍ ثقيلة.
نظر إليها طويلًا… كأنه يقرأ ما بين كلماتها، أو يتأكد أنها لن تتراجع.
ثم زفر ببطء، ومدّ يده نحو لوحة التحكم، وعيناه لا تزالان عليها:
“مدة الفيديو الافتتاحي ثلاث دقائق… وإن أردنا استبداله، فلدينا وقت محدود.”
توقف لحظة… ثم قال بصوت أخفض:
“لكن بعد ذلك… لن يبقى شيء كما كان.”
نظرت إليه بثبات، وشعرت أنني لم أعد تلك المرأة التي كانت قبل ساعة واحدة فقط، ثم قلت بهدوء واضح: “لم يعد هناك ما أعود إليه.”
وفي المساء، امتلأت القاعة بالتصفيق، وقف يوسف أمام الجميع ببدلته الأنيقة، يبتسم بثقة،
بينما كان المدير يمدحه أمام الحضور قائلًا إنه مثال للموظف الملتزم وصاحب الأخلاق الرفيعة.
كنت أجلس في الخلف، أراقب بصمت، بينما دخلت سمية بثقة، وكأنها جزء من هذا المشهد الذي بُني على كذبة كبيرة.
لم تكن تعلم أن كل شيء قد تغيّر.
أمسك يوسف الميكروفون، شكر الحضور، ثم قال: “قبل أن نبدأ، أعددنا فيديو افتتاحيًا قصيرًا…”
أُطفئت الأنوار، واتجهت أنظار الجميع نحو الشاشة الكبيرة…
وفي تلك اللحظة…
ظهرت أول لقطة على الشاشة الكبيرة، وفي اللحظة الأولى لم ينتبه أحد لغرابتها، فالجميع توقّع عرضًا افتتاحيًا تقليديًا كما يحدث في كل مناسبة.
لكن بعد ثوانٍ قليلة فقط بدأ الإحساس بأن هناك شيئًا غير طبيعي يتسلّل إلى القاعة، فالمشهد لم يكن دعائيًا، الفيديو كان صامتًا في بدايته، ثم بدأ الصوت يظهر تدريجيًا، واضحًا، لا يحتمل التأويل.
في الصفوف الأمامية، انحنى المدير قليلًا إلى الأمام، وكأن عينيه تحاولان التأكد مما يراه، بينما تبادل بعض الحضور نظرات سريعة، تحمل سؤالًا واحدًا لم يُنطق بعد: “هل هذا… حقيقي؟”








