عام

قال زوجي إنه مسافر للعمل خمسة عشر يومًا…

لكنها لم ترد.
وفي منتصف الليل فقط وصلته رسالة قصيرة
تعبت من هذه الحياة يا ياسين سامحني.
ظل يقرأ الرسالة طويلًا.
ثم جلس على طرف السرير يبكي لأول مرة منذ شهور.
في تلك اللحظة فقط فهم الحقيقة القاسېة كاملة.
المرأة التي خاطر ببيته وابنته وزوجته لأجلها
رحلت فور أصبحت الأيام ثقيلة.
أما مريم التي كسر قلبها
فكانت الوحيدة التي لم تهنه أمام الناس، ولم تفضحه رغم كل ما فعله.
مرت الأسابيع بعدها ببطء قاسٍ صار ياسين أضعف بكثير.
وجهه شاحب دائمًا وخطواته متعبة.
حتى أمه بدأت تبكي كلما رأته وكان كل يوم يكتشف شيئًا جديدًا
أن البيت الهادئ الذي كان يملكه
كان نعمة.
وأن الزوجة الأصيلة لا تُعرف في أيام القوة بل حين يســـ، ــــقط الرجل.
وفي إحدى الليالي
سقط

ياسين مغشيًا عليه داخل المسجد بعد صلاة العشاء.
وحين وصل الخبر إلى مريم
شعرت بقلبها يرتجف رغم كل شيء.
قاومت نفسها كثيرًا.
قالت إنها لا يجب أن تهتم وأنه اختار طريقه بنفسه.
لكنها في النهاية ذهبت.
دخلت غرفته في المستشفى بهدوء.
وحين رآها بكى.
بكى بطريقة لم ترها منه من قبل.
لم يكن بكاء رجل يحاول إقناع امرأة بالعودة.
كان بكاء إنسان فهم متأخرًا حجم خسارته.
قال بصوت متعب
كنت أظن أن الحب هو أن يفعل الإنسان ما يريد ثم يعود فيُسامحونه.
سكت قليلًا وهو يتنفس بصعوبة.
ثم أكمل
لكنني فهمت متأخرًا أن الإنسان لا يعرف قيمة بيته إلا حين يضيعه بيده.
لم ترد مريم.
كانت تنظر إليه فقط إلى وجهه الشاحب وعينيه المرهقتين وضعفه الذي لم تتخيله يومًا.
ثم قال بصوت مكسور هالة تركتني حين تعبت وأنتِ جئتِ رغم كل ما فعلته بكِ.
أخفضت مريم عينيها.
ثم قالت بهدوء
لأن بيني وبين الله عشرة يا

ياسين ولأنني لا أترك مريضًا وحده حتى لو كسر قلبي.
بكى أكثر ومنذ تلك الليلة
صارت تزوره.
تطمئن على دوائه وتتأكد أنه يأكل وتترك ابنته تجلس معه ساعات طويلة.
لكن شيئًا واحدًا لم يعد أبدًا قلبها.
كانت ترعاه بإنسانية لا بحب.
أما هو
فكان يرى الفرق بوضوح قا، ټل.
الفرق بين امرأة أحبته بصدق وامرأة أحبته ما دام قويًا.
وفي أحد الأيام طلب منها أن تجلس بجواره قليلًا.
كان أضعف من السابق بكثير.

نظر إليها طويلًا ثم قال
سامحيني.
أغمضت عينيها للحظة.
ثم أجابت بهدوء
أسامحك على حقي عندي لكن بعض الكسور لا تعود كما كانت.
هز رأسه بتعب.
وكأنه أخيرًا فهم ذلك.
قبل ۏفاته بأيام طلب رؤية ابنته.
ضمّها طويلًا وهو يبكي.
ثم همس لمريم حين خرجت الصغيرة من الغر، فة
لا تجعليها تكرهني.
شعرت بغصة حادة في حلقها.
ثم

قالت
ستعرف أنك أخطأت لكنها ستعرف أيضًا أنك كنت تحبها.
ابتسم لأول مرة منذ شهور.
ابتسامة متعبة جدًا.
وفي فجر يوم جمعة رحل ياسين بهدوء.
دون ضجيج.
ودون أن يسمع أحد اعترافاته الأخيرة.
أما مريم
فوقفت بعد دفنه تنظر إلى السماء بصمت طويل.
لم تبكِ كما توقعت.
كانت تشعر بحزن غريب
يشبه وداع شيء ما، ټ داخلهما منذ زمن

بعيد.
وفي تلك الليلة عادت إلى بيتها جلست قرب ابنتها النائمة.
وأطفأت الضوء بهدوء.
ثم فهمت أخيرًا
أن بعض النساء لا يربحن الرجال في النهاية.
بل يربحن أنفسهن.
وأن الزوجة الأصيلة لا تظهر في أيام الراحة
بل حين يسقـــــــ، ط الجميع ويهرب الجميع.
وحينها فقط
يعرف الرجل متأخرًا جدًا
الفرق بين امرأة بنت معه بيتًا،
وامرأة

كانت مجرد محطة هر، وب مؤقتة في لحظة ضعف

3 من 3التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى