أخبار

كانت تظنّ أنها نجت… حتى أصبح الفتى الذي أنقذها

أشار إلى كشك مهجور عبر الطريق
حيثما ينام الليل أنام أنا.
كانا طفلين محطمين في زاوية قذرة خلف الحاويات يشتركان في الصمت
لكن لأول مرة منذ زمن شعرت عائشة أن هناك من يفهمها.
بعد دقائق أخرج موسى قطعة خبز يابسة عليها آثار قضمة.
مدها إليها قائلا
خذي سرقتها. بس اليوم مش يوم نحاسب بعض.
ترددت
لا أريد.
ابتسمابتسامة حزينة ولطيفة

أعلم. لكنك تحتاجين.
نظرت إليه
إلى الفتى الذي لا يملك شيئا ومع ذلك يعطيها شيئا.
فانكسر شيء داخلهالكن بطريقة دافئة.
أخذت الخبز.
وللمرة الأولى منذ وقاة والديها أكلت دون خوف.
تكلما حتى غابت الشمس.
طفلان منسيان.
روحان مجروحتان.
غريبان يجمعهما الألم نفسه.
ومن حيث لا يعلمان بدأ شيء ينمو.
ليس الحب.
ليس بعد.
بل الأملذلك الشيء الصغير الذي يولد في الظلام حين نعتقد أننا انتهينا.
لكنهما لم يكونا يعلمان
أن ذلك الأمل سيتحول يوما إلى حب.
وأن ذلك الحب سينقذهما
وسيحطم كل شيء أيضا.

في صباح اليوم التالي استيقظت عائشة وهي تشعر بشيء غريب في صدرها.
ليس سعادة.
ليس فرحا.

بل دفء.
إحساس لم تعرفه منذ اللحظة التي غطى فيها قماش النايلون وجهي والديها.
قضت يومها كله في غسل الملابس وفرك الأرضيات ودق الفلفل تحت الشمس الحارقةلكن في كل مرة تتوقف فيها لالتقاط أنفاسها كان وجه واحد يلوح في ذاكرتها.
موسى.
الفتى ذو العينين الحزينتين والشبشبين الممزقين.
الفتى الذي لم يكن يملك شيئا ومع ذلك شاركها آخر قطعة خبز لديه.
تسللت تلك الليلة مجددا إلى الخارج فوجدته جالسا بجوار حاويات القمامة يركل حصى صغيرة كما لو كانت ذكريات يريد التخلص منها.
رفع رأسه بمجرد أن سمع وقع خطواتها.
وقال بصوت خافت
لقد جئت.
فأجابته
كنت تعلم أنني سأجيء.
وهكذا بدأ روتينهما.
كل ليلة كان هذان الروحان المهملان يلتقيان خلف الساحةليس لأنهما اتفقا على ذلك بل لأن العالم كله لم يترك لهما مكانا آخر.
أحيانا كانا يتحدثان.
أحيانا يصمتان.
وأحيانا يجلسان فقط جنبا إلى جنب يتنفسان الهواء ذاته ذلك الهواء المتكسر مثلهما.
وفي إحدى الليالي جاء موسى ومعه شيء في يده.
دفتر متهالك.

حوافه مقضومة من الفئران.
غلافه ممزق.
صفحاته بنية قديمة.
وضعه في حجر عائشة قائلا
وجدته قرب المزبلة. لن يكون خطك فيه لكن ربما تجد أحلامك مكانا هنا.
لمست عائشة الدفتر كما لو كان زجاجا قابلا للكسر.
لم يعطها أحد شيئا منذ شهور.
لم يفكر أحد حتى بأنها تحتاج شيئا ما.
فتحت الصفحة الأولى.
فارغة بيضاء تنتظر.
تماما كحياتها.
همست
ماذا أكتب
قال موسى بصوت منخفض
اكتبي وجعك فالوجع فوق الورق أأمن من الوجع داخل صدرك.
فكتبت.
كل ليلة.
كل ألم.
كل جىرح.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى