Uncategorized

ابويا غسل حكايات نور محمد

أبويا غسل عاري بإيده ودفنّي صاحية عشان يداري جريمته، مكنش يعرف إن التراب اللي نزل فوق راسي هو اللي هيحفظني عشان أرجع وأهدم المعبد فوق دماغه ودماغ اللي وزّوه.”في قرية ريفية هادية في قلب الصعيد، بدأت الحكاية اللي تخلي الولدان شيباً. “سعاد” كانت بنت رقيقة، ملهاش في القال والقيل، بس للأسف كانت هي العقبة الوحيدة قدام عمامها عشان يورثوا “الأطيان” والبيت الكبير بعد وفاة جدها. في ليلة غبرة، أختها الكبيرة “فايزة” -اللي الغيرة أكلت قلبها- اتفقت مع عمها “منصور” ولفقوا لسعاد تهمة تمس الشرف، تهمة في الصعيد معناها “الدم”.

أبوها، “الحاج جابر”، راجل صعيدي دُغري بس كلمة “العار” كانت بتخليه يفقد عقله. من غير ما يسمع دفاعها، وفي لحظة غضب أعمى، جرجرها لغرفة قديمة ورا البيت، وضربها لحد ما فقدت النطق، ولما افتكر إن روحها طلعت، شالها مع عمها ودفنوها في “قبر قديم” مهجور في طرف الجبانة وسدوا الفتحة بالحجارة. الكاتبه نور محمد
قعدت سعاد يومين تحت الأرض، بس “إرادة ربنا” كانت أقوى من جبروتهم. زلزال خفيف هز المنطقة وقتها ووقع الحجارة اللي مش محكمة، وبمعجزة، قدرت تشحط روحها وتطلع للنور وهي شبه ميــ,تة.

مرت شهور، والكل افتكر إن سعاد “غار غُرب” أو اندفنت وخلاص، وأبوها قفل قلبه وباله، وعمامها بدأوا يقسموا الميراث والدهب وهما بيضحكوا. وفي ليلة “كتب كتاب” أختها فايزة على واحد من أغنى أغنياء البلد عشان يكملوا السيطرة..
وفجأة، النور انقطع عن البيت كله، وظهر خيال أبيض واقف على الباب، وصوت “سعاد” البحوح من كتر الصراخ هز الحيطان وهي بتقول:
“أنا جيت يا حاج جابر عشان أبارك لفايزة على جهازي اللي سرقتوه.. وجيت آخد حقي من اللي حفر قبري بإيده!”
الصدمة اللي حصلت وقتها خلت الأب يقع مشلول في مكانه، والتكملة فيها تفاصيل “قانونية” وقصاص رباني لا يتخيله عقل!
الظلام كان تقيل… تقيل لدرجة إن الأنفاس نفسها بقت مسموعة.

 

صوت صريخ فايزة قطع السكون: “جـــــن! دي جــــن!”
لكن الصوت اللي رد عليها كان أوطى… أهدى… وأخطر: “أنا مش جن… أنا اللي كنتوا عايزين تقتلوني عشان تورثوا مكاني.”
نور لمبة واحدة رجع يشتغل فجأة… وظهر وش سعاد.
وش شاحب… عليه آثار جروح قديمة… لكن عينيها؟
عينيها كانت مليانة نار… نار عمرها ما هتطفي.

الحاج جابر كان واقع على الأرض، جسمه مش قادر يتحرك، وعينيه مفتوحة على الآخر: “س… سعاد؟! أنتي… عايشة؟!”
قربت منه خطوة… خطوة تقيلة كأنها شايلة وجع سنين: “كنت عايشة يا حاج… وانت اللي دفنتني بإيدك.”
عمها منصور حاول يتكلم، لكن لسانه اتربط: “دي… دي كدبة… إحنا…”
قاطعت كلامه وهي بتطلع ورق من شنطة صغيرة معاها: “عارف إنك هتكذب… عشان كده رجعت وأنا معايا الدليل.”
سكتت لحظة… وكل العيون عليها…

“الدكتور اللي عالجني بعد ما خرجت من القبر كتب تقرير… وفيه كل الإصابات… وفيه إنّي اتضربت واتدفنت وأنا عايشة.”
شهقة طلعت من كل اللي في المكان.
فايزة صوتها كان بيرتعش: “إنتي كدابة… إحنا عملنا كده عشان…”
سعاد بصتلها نظرة كسرت قلبها قبل ما تكسرها بكلامها: “عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ عشان الغيرة؟ ولا عشان كنتِ شايفة نفسك أقل مني؟”

دموع فايزة نزلت، بس المرة دي محدش اتعاطف.
سعاد كملت: “أنا ماجتش أنتقم بس… أنا جايه آخد حقي بالقانون… وبربنا قبل القانون.”
وفي اللحظة دي… صوت عربية شرطة وقف قدام البيت.
الكل اتجمد.
دخل الظابط ومعاه قوة: “بلاغ بمحاولة قتل ودفن حي… باسم سعاد جابر.”
بصت سعاد لأبوها… عيونها دمعت لأول مرة: “أنا سامحتك كأب… بس مش هسامحك كقاتل.”
الحاج جابر حاول يتكلم… بس دموعه نزلت قبل الكلام: “سامحيني يا بنتي… أنا صدقتهم…”

ردت عليه بهدوء موجع: “واللي بيدفن بنته من غير ما يسمعها… يستاهل يعيش باقي عمره بندم.”
اتقبض على منصور… وفايزة… واتساقوا قدام الناس اللي كانت واقفة برا، والهمس بقى صريخ: “دي البنت اللي اتدفنت ورجعت!”
وشها وهي طالعة من تحت التراب.
وبقت تصرخ كل ليلة: “أنا ما كنتش عايزة تمو,ت!”
لكن مفيش حد بيرد…
بعد سنة…
سعاد رجعت البلد.

مش عشان الماضي…
لكن عشان تقف قدام القبر القديم.
وقفت… وبصت عليه شوية…
وحطت وردة… وقالت بهدوء:
“هنا اتدفنت سعاد الضعيفة…
بس اللي خرجت…
واحدة تانية خالص.”
لفت تمشي…
لكن قبل ما تمشي…
بصت للسماء وقالت:

“العدل مش دايمًا بييجي بسرعة…
بس لما بييجي…
بييجي كامل.”
النهاية؟
لا…
دي مش نهاية.
دي حكاية كل حد اتظلم وسكت…
وكل حق اتدفن…
لكن…
مستني اللحظة اللي يرجع فيها للنور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى