منوعات

لقد رعيتُ حماتي خمسة عشر عامًا، لكنّها في النهاية تركت ثلاثة بيوت لأخت زوجي

فتحتُها ويداي ترتجفان.

كان الخط خطّ حماتي.

مقالات ذات صلة

عرفتُه على الفور من طريقة كتابتها لحرف “ل”، طويلة ورفيعة، كأنها تكتب على عجل دائمًا، حتى في الأمور التي تحتاج تروّيًا. كانت الورقة مطوية عدّة مرات، وتفوح منها رائحة الرطوبة، ممزوجة برائحة الحليب المغلي… ورائحة سنوات طويلة من الصمت.

وجاء فيها:

“يا ابنتي، إن وجدتِ هذه الرسالة، فاعلمي أنني قد رحلت إلى رحمة الله. سامحيني لأني لم أُحسن الدفاع عنكِ في حياتي. ما سمعتهِ في الوصية ليس كل الحقيقة.

البيت القديم في الزقاق، الذي يظن الجميع أنه بيع منذ سنوات، ما زال باسمي. الأوراق مخبأة في المكان الذي كنت أضع فيه الأرز لأيام العزائم، داخل العلبة الحمراء في الخزانة الطويلة.

هذا البيت لكِ، ولن يحقّ لأحد أن يأخذه منكِ.

لقد كنتِ أنتِ من ترعاني حين انشغل الجميع، وتسهرين بجانبي حين ينامون. لم أكن أعرف كيف أقول ذلك أمامهم… لكن الله يعلم أني كنت أراه كل يوم.

إن قصّرتُ في حقكِ، فأسأل الله أن يغفر لي… وأن يجزيكِ عني خير الجزاء.”

جليلة

اضطررتُ أن أجلس.

اهتزّ المطبخ من حولي، كأن الأرض فقدت ثباتها. عاد إليّ ذلك الألم الذي شعرتُ به أثناء قراءة الوصية… لكنه هذه المرة امتزج بشيء أعمق، شيء لا يُوصف بسهولة: حنان جاء متأخرًا، ووجع قديم، وشعور غريب بأنني فهمتُها أخيرًا… لم تكن قاسية كما ظننت، لكنها كانت ضعيفة.

مسحتُ يديّ في مئزري، وأعدت قراءة الرسالة ثلاث مرات. توقّفت طويلًا عند عبارة:
“لم أكن أعرف كيف أقول ذلك أمامهم.”

خمسة عشر عامًا… كنتُ أنتظر كلمة واحدة.
وجاءتني أخيرًا… مخبأة داخل كوب قديم، بعد أن رحل صوتها إلى الأبد.

وضعتُ الورقة داخل ملابسي، قريبة جدًا من قلبي، وكأنني أخشى أن تضيع مني.

ثم توجهتُ مباشرة إلى الخزانة الطويلة في المطبخ.

لم يكن هناك أحد.

كانوا جميعًا في الغرفة المجاورة، يتحدثون عن البيوت، والأسعار، والإجراءات، وكأن الأمر صفقة لا جنازة. كانت رجاء تضحك بخفة، وزوجها يحسب الأرقام بصوت مرتفع، بينما كان لطفي وزهير يتجادلان حول التفاصيل.

وقفتُ على كرسي، ومددتُ يدي نحو العلبة الحمراء، وأنزلتها بحذر.

كانت أثقل مما توقعت.

فتحتها ببطء…

وفوق كيس قديم من الأرز، وبعض قطع القماش، وجدت ملفًا بلاستيكيًا ملفوفًا بعناية داخل جرائد قديمة.

ترددتُ للحظة… ثم فتحته.

كانت هناك أوراق رسمية.

صكّ ملكية.

الأصل، وليس نسخة.

“منزل زقاق الخيزران – رقم 18”

المالك: جليلة.

ولا يوجد أي توثيق لبيع أو نقل ملكية.

بمعنى واضح…

البيت لم يُبع أبدًا.

كاد نَفَسي ينقطع.

كنتُ أعرف ذلك المنزل جيدًا. كان بيتًا قديمًا، بواجهة ضيّقة وفناء واسع، على بُعد ثلاث بنايات من السوق العتيق. قيل قبل سنوات إنه بيع لسداد ديون علاج حماتي، ولم نشكّك يومها، ولم يفتح أحد الموضوع بعد ذلك.

لكن الأوراق كانت لا تزال موجودة… سليمة، واضحة، تحمل الأختام والتواقيع.

ثم سمعت صوت زوجة زهير من غرفة الجلوس:

“نزهة، هل ما زلتِ في المطبخ؟ علينا أن نبدأ بإخراج الأغراض… كل ما لا فائدة منه يُرمى.”

قالتها بتلك السلطة الجديدة التي تأتي مع الميراث… لا مع السهر والتعب.

وضعتُ الملف تحت سترتي، وخرجت ببطء.

التفت الجميع نحوي.

كان المحامي لا يزال جالسًا، حقيبته مفتوحة أمامه. جلس زهير وأخوه الأصغر إلى جانب، بينما كان لطفي، الذي عاد لتوه من عمله ووجهه لا يزال مرهقًا، يراقبني بصمت، كأنه يحاول أن يفهم ما الذي تغيّر فجأة. لم يكن حاضرًا بما يكفي خلال تلك السنوات ليدرك ما الذي يحدث الآن.

قلت بهدوء:
“وجدتُ شيئًا بين أغراض أمي.”

أبدت زوجة زهير نفاد صبر واضح:
“إن كانت أواني قديمة، فمن الأفضل ألا تحتفظي بها. لا أريد أشياء تافهة في البيت.”

لم أُجبها.

أخرجت الرسالة أولًا… ثم الملف.

اعتدل المحامي في جلسته.

“ما هذا؟”

قلت، وصوتي أكثر ثباتًا مما توقعت:
“أظن أن هناك أمرًا لم يُذكر في الوصية.”

ناولته الرسالة.

قرأها بصمت… ثم أعاد قراءتها ببطء أكبر. بعد ذلك فتح الملف، وبدأ يراجع صك الملكية، وبيانات السجل العقاري، والأختام الرسمية.

تغيّرت ملامحه تمامًا.

همس قائلًا:
“هذا… يغيّر أمورًا كثيرة.”

ضحكت زوجة زهير بسخرية:
“لا تبالغ. لا بد أنها أوراق قديمة لا قيمة لها.”

رفع المحامي رأسه، وقال بحزم:
“لا، هذه أوراق صحيحة قانونيًا، ما لم يثبت عكس ذلك. وإذا كانت الرسالة بخطّ المتوفاة، فهي تُعدّ تعبيرًا صريحًا عن إرادة مكمّلة، وتوجيهًا لأصلٍ لم يُدرج في الوصية.”

تجمّدت ملامح الجميع.

سأل الأخ الأصغر وهو يعقد حاجبيه:
“وماذا يعني ذلك؟”

أجاب المحامي:
“يعني أن السيدة تركت عقارًا لم يُذكر في الوصية، وأن نيتها وفقًا لهذه الرسالة كانت تخصيصه لنزهة.”

ساد صمت ثقيل في الغرفة.

كانت زوجة الأخ الأصغر أول من تكلّم، بنبرة حادة:
“هذا غير ممكن! لو أرادت أن تترك لها شيئًا، لذكرته في الوصية.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى