عام

سر الحليب انكشف داخل بيت حماتي

قبل شهر، ولدت بنتي الأولى، وكنت أظن إن أكثر شي يخوفني في هالفترة هو السهر، تعب الرضاعة، وجسمي اللي لسه يحاول يرجع لنفسه.

ما كنت أدري إن الخوف الحقيقي بيجي من أقرب شخص لي.

من زوجي.

أرجون كان في عيوني الرجل اللي تمنّيته.

هادي، حنون، ما يرفع صوته، ويعرف كيف يسندني وقت أطيح من التعب.

أول ما رجعت من المستشفى، كان يمشي في البيت بخفة، كأنه خايف حتى صوت خطواته يزعج بنتنا الصغيرة.

كان يقولي: لا تقومين، أنا أجيب الموية.

لا تشيلين شي، أنا أرتب.

نامي شوي، أنا جنبها.

كنت أصدقه من قلبي.

كانت بنتنا صغيرة لدرجة إني أخاف ألمس أصابعها بقوة.

كل ما شفت وجهها وهي نايمة، أحس إن الدنيا كلها صارت أنعم.

أمي كانت تقول لي: الولادة تغيّر المرأة، تخلي قلبها يشوف أشياء قبل عيونها.

وقتها ضحكت.

ما فهمت كلامها إلا بعدين.

في الأسبوع الأول، كان كل شي طبيعي.

بكاء، رضعات، حفاضات، نوم مقطع، وبيت تفوح منه ريحة المطهر والحلبة والقهوة.

أرجون كان يرجع من الدوام بسرعة، يبدل ملابسه، يغسل يديه، ويدخل يشوف بنتنا قبل حتى ما يسأل عن الأكل.

كنت أفرح بهالاهتمام.

كنت أحس إننا صرنا عائلة حقيقية.

لكن مع بداية الأسبوع الثالث، بدأت ألاحظ أشياء صغيرة.

أشياء ما توقفين عندها في البداية.

باب الثلاجة ينفتح بنص الليل.

صوت كيس بلاستيك خفيف.

خطوات هادئة في الممر.

باب الشقة ينسحب ببطء.

وبعدين سكون طويل.

أول ليلة قلت يمكن راح يشتري شي.

ثاني ليلة قلت يمكن يبي ياخذ هوا.

ثالث ليلة، وأنا بين النوم والصحوة، شفت ظلّه عند الثلاجة.

كان واقف مدة طويلة، يفتح الفريزر الصغير وينزل منه أكياس الحليب اللي كنت أشفطه وأكتب عليها التاريخ والوقت.

كنت أتعلم أكون أم.

كنت أشفط الحليب بوجع وصبر، وأحط كل كيس كأنه قطعة من جسمي.

أكتب عليه الساعة، وأرتبه حسب الأقدم، عشان بنتي ما ينقصها شي إذا تعبت أو نمت.

لذلك لما صارت الأكياس تنقص، حسيت إن في شي ينسرق مني، مو بس من الثلاجة.

في البداية ما واجهته.

كنت أراقب.

الأم الجديدة تصير حساسة، وكل الناس يقولون لها: لا توسوسين، هذا من التعب.

وأنا كنت أحاول أقنع نفسي إن يمكن فعلاً أتخيل.

يمكن استخدم الأكياس لبنتنا ونسي يقول لي.

يمكن أنا اللي حسبت غلط.

يمكن الهرمونات تلعب فيني.

بس في ليلة، فتحت الفريزر وعدّيت الأكياس.

كان في اثنا عشر كيس.

الصباح صاروا تسعة.

وبنتي ما شربت إلا رضعة وحدة.

وقفت قدام الثلاجة وأنا ماسكة الباب، والبرد يطلع على وجهي، لكن جسمي كان يغلي.

سمعت أرجون داخل الصالة يكلم أمه بالتلفون بصوت واطي.

لما قربت، سكت فجأة.

بعدها قال بنبرة مصطنعة: لا، لا، بكلمك بعدين.

دخلت عليه وسألته بهدوء ما يشبه اللي داخلي: أرجون، الحليب اللي خزنته أمس وين راح؟

طالعني لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة.

ابتسامة شخص يبي يهرب قبل لا ينكشف.

قال: يمكن أنا رميته بالغلط.

كان شكله قديم.

قلت: مكتوب عليه تاريخ أمس.

سكت.

ثانيتين بس، لكنها كانت أطول من الليل كله.

بعدها حك رقبته وقال: يمكن اختلط علي.

آسف.

كنت تعبان.

هزيت راسي كأني صدقته، بس قلبي لا.

قلبي وقف عند كلمة واحدة: كذب.

في ذيك الليلة، ما نمــ,ت.

خليت بنتي تنام جنبي، وغمضت عيوني لما دخل أرجون الغــ,رفة.

سمعته يتنفس، يتقلب، ينتظر.

كان يظن إني غارقة في النوم.

وأنا كنت أعد الدقائق.

الساعة قربت من اثنتين ونص.

قام.

ببطء شديد، سحب يده من تحت الغطاء، نزل رجله على الأرض بدون صوت، ومشى للمطبخ.

فتحت عيني شوي.

شفته من فتحة الباب.

فتح الثلاجة، طلع كيسين، ثم رجع وطلع كيس ثالث.

تأكد من التواريخ.

حطهم في شنطة قماش

صغيرة، ثم التفت ناحية الغرفة.

تظاهرت بالنوم.

وقف عند الباب يطالعني.

حسيت بنظرته على وجهي.

كنت أخاف رمشي يتحرك.

بعد لحظات، انسحب وطلع.

ما واجهته.

كان فيني غضب يكفي إني أصرخ، بس كان فيني خوف أكبر.

خوف إن الحقيقة تكون أبشع من سؤال بسيط.

رحت لغرفة أمي، صحيتها بهدوء وقلت لها: يمه، خليك مع البنت شوي.

فتحت عيونها مفزوعة.

قالت: وش فيك؟

قلت: برجع.

ما سألت أكثر.

يمكن شافت في وجهي شي خلّاها تسكت.

لفيت شال خفيف على كتفي، وطلعت وراه.

الشارع كان فاضي.

كان الوقت آخر الليل، والحي كله نايم.

لمبات الشارع الصفراء كانت ترسم ظلال طويلة على الجدران، والهواء بارد بطريقة تخلي القلب ينكمش.

أرجون كان يمشي بسرعة، رأسه نازل، والشنطة بيده.

ما ركب سيارته.

وهذا خلاني أتأكد إنه رايح مكان قريب.

كنت أمشي من بعيد، ألصق نفسي بالجدران كل ما التفت.

ما كنت أعرف إني أقدر أكون بهالهدوء وأنا من داخلي أرتجف.

كل خطوة كان عقلي يرمي احتمال جديد.

هل يبيع الحليب؟

هل يعطيه لامرأة ثانية؟

هل في طفل لا أعرف عنه؟

كل احتمال كان يجرحني بطريقة مختلفة.

بعد دقائق، وقف عند بيت أمه، كاملا ديفي.

البيت كان في زقاق ضيق، بابه حديد قديم، ونوره الخارجي خافت.

حماتي ما كانت تحبني من البداية.

السابق1 من 4
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى