عام

في عيد ميلادي الثالث والستين، همس ابني أمام الكعكة

فبدأ بالبكاء بصوت منخفض.
فشعرتُ بأن البيت كله ينهار أمام الأطفال.
قال فاضل بصرامة
اخفض صوتك يا سيف.
لكن سيف لم يتوقف.
بل نظر إليّ وقال
نعم
كنتُ أنتظر .
سقطت الجملة فوق السفرة كالرصاص.
حتى زهراء تراجعت للخلف وكأن أحدهم صفعها.
ثم همست
سيف!
لكنه أكمل بصوت متعب ومكسور
لأن حياتي كانت متوقفة.
كنتُ أعيش في انتظار دوري فقط.
كل شيء كان باسمك.
كل شيء كان تحت سيطرتك.
وأنا
كنتُ مجرد رجل ينتظر أن يُسمح له بالحياة.
لم أشعر بالغضب.
بل شعرتُ بحزن ثقيل.
حزن رجل اكتشف متأخرًا أن المسافة بينه وبين ابنه كانت أكبر بكثير مما تخيل.
لكن ذلك
لم يمحُ الخيانة.
رفعتُ رأسي نحوه وقلت بهدوء
كان يمكنك أن تطلب مساعدتي
لا أن تنتظر جنازتي.
انهار سيف على الكرسي.
وأخفض رأسه بين يديه.
أما زهراء
فجلست تبكي بصمت وهي تنظر إلى أوراق الديون وكأنها ترى حياتها تتحطم أمامها.
ثم قالت فجأة وهي تنظر إليه
هل القمار حقيقي؟
لم يجب.
صرخت بصوت مرتجف
انظر إليّ يا سيف!
لكنه ظل صامتًا.
وكان ذلك أسوأ اعتراف ممكن.
وضعت زهراء يدها فوق رأسها وكأنها فقدت القدرة على التنفس.
يا إلهي
كنتَ تخسر أموالنا كلها؟
أجاب أخيرًا بصوت خافت
في البداية ظننتُ أنني سأعوض كل شيء.
ضحك فاضل بمرارة.
هذه هي الجملة التي يقولها كل رجل يغرق في الديون.
رفع سيف رأسه بعصبية
لا تتحدث وكأنك تعرفني!
لكن فاضل لم يتراجع.
أنا لا أعرفك
أنا فقط رأيت عشرات الرجال الذين خسروا بيوتهم بالطريقة نفسها.
ثم فتح ملفًا جديدًا.
هناك قروض شخصية.
وبطاقات ائتمانية.
ومبالغ مستحقة خلال أسابيع.
تجمّدت زهراء.
أسابيع؟
أجاب فاضل
ولو لم تُسدّد
كانت الجهات الدائنة ستبدأ بإجراءات قانونية.
ثم نظر نحوي وأكمل
لهذا كان يريد نقل الورشة باسمه بسرعة.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
أما أنا
فبدأت أفهم أخيرًا حجم الكارثة التي كانت تقترب من البيت دون أن أشعر.
قال أبو علي بصوت هادئ
قبل شهرين
وجدناه داخل الورشة بعد منتصف الليل.
وأضاف جاسم
وعندما سألناه، قال إنه يراجع الحسابات.
تنهد أبو علي بحزن
لكنه كان يصور العقود.
أغمضتُ عيني للحظة.
لأن الورشة لم تكن مجرد مكان عمل بالنسبة لي.
كانت عمري كله.
عرقي.
وشبابي.
وسنوات الجوع والتعب.
وفكرة أن ابني كان يستعد لبيعها
بدت كأن أحدهم يقتلع قلبي ببطء.
قالت زهراء وهي تبكي
لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟
أجاب بصوت متعب
لأنني كنتُ أخجل.
ثم رفع عينيه نحوي فجأة وقال
هل تعرف ما الأسوأ يا أبي؟
لم أجب.
فقال
أنني كنتُ أكره نفسي كل ليلة
لكنني كنتُ أعود وأفعل الشيء نفسه.
ساد الصمت مرة أخرى.
وفي الخارج
ارتفع أذان المغرب.
فدخل الصوت إلى البيت كأنه ذلك الاختناق للحظة قصيرة.
نظر آدم نحوي بعينين دامعتين.
ثم اقترب ببطء وتمسّك بثوبي.
جدي
هل أبي سيأخذ البيت؟
أغلقتُ عيني للحظة.
لأن السؤال كان أقسى من كل الأوراق والديون.
نظرتُ إلى الطفل الصغير.
ثم إلى ابني المنهار أمامي.
وقلت بهدوء موجع
لا يا حبيبي
البيت سيبقى بيتكم.
بدأ آدم بالبكاء أكثر.
أما رقية
فكانت تنظر إلى والدها وكأنها لا تعرفه.
ثم سألت بصوت
بابا
أنت

2 من 2التالي
تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى