عام

حصلتُ على الدرجة الكاملة في امتحان القبول

ركضت الأستاذة هناء نحوي.
الحمد لله أنكِ أتيتِ!
ثم توقفت فجأة وهي تنظر إلى حقيبتي.
مريم هل أنتِ بخير؟
ابتسمتُ بصعوبة.
لا أعرف.
لكنها لم تسأل أكثر.
وقالت
اليوم يومكِ لا تسمحي لأحد بسرقته.
ولأول مرة منذ أيام
كدت أبكي بسبب كلمة لطيفة فقط.
بدأ الحفل.
الأضواء.
الكاميرات.
أصوات التصفيق.
أسماء الطلبة.
لكنني كنت أشعر وكأنني أتحرك داخل حلم بعيد.
حتى جاء اسمي.
الطالبة الأولى على المحافظة مريم.
وقف الجميع يصفق.
رأيتُ المديرة تمسح دموعها بفخر.
ورأيتُ بعض المدرسات يبتسمن نحوي.
ثم صعدتُ إلى المنصة.
والكاميرات كلها اتجهت نحوي.
قال المذيع بابتسامة واسعة
مريم، الجميع يريد معرفة سر تفوقكِ.
فتحتُ فمي.
لكن الكلمات اختنقت داخلي للحظة.
ثم قلت بهدوء
لا يوجد سر.
ابتسم المذيع.
أكيد هناك أحد دعمكِ كثيرًا.
ساد صمت قصير.
ورأيت الكاميرات أقرب نحوي.
ثم قلت أخيرًا
أحيانًا الإنسان ينجح لأنه لا يملك شيئًا آخر يفعله غير النجاة.
اختفى صوت القاعة للحظة.
حتى المذيع لم يعرف ماذا يقول.
لكن التصفيق بعدها بقوة.
ولسبب غريب
شعرتُ وقتها أنني أتنفس لأول مرة.
بعد انتهاء الحفل
خرجتُ من المدرسة وأنا أحمل الشهادة والدرع.
وكان هاتفي ممتلئًا بالاتصالات.
أمي.
سيف.
أبي.
حتى تبارك.
لكنني لم أرد.
ثم ظهرت
رسالة واحدة من رقم غريب
أنا الصحفية التي أجرت معكِ اللقاء اليوم. قصتك أثّرت في ناس كثير. إذا احتجتِ أي مساعدة بخصوص الجامعة أو السكن، راسليني.
حدّقتُ في الرسالة طويلًا.
ثم ابتسمتُ للمرة الأولى منذ أيام.
ابتسامة صغيرة فقط.
لكن حقيقية.
وصلتُ إلى بيت الطالبات قرب جامعة بغداد مساءً.
كان المكان صغيرًا جدًا.
ضيقة.
.
نافذة تطل على شارع مزدحم.
ورائحة قهوة تأتي من الممر.
لكن الغريب
أنني شعرتُ بالراحة فورًا.
وضعتُ حقيبتي فوق السفلي.
وجلست بصمت.
لا صراخ.
لا مقارنات.
لا أحد ينظر إليّ وكأنني مشكلة.
فقط
هدوء.
رن هاتفي مجددًا.
هذه المرة كانت رنا.
ها؟ هل أصبحتِ نجمة العراق الآن؟
ضحكتُ بخفوت.
تقريبًا.
صرخت بحماس
الفيديو انتشر بكل مكان! الناس كلها تتكلم عنكِ!
قطّبت حاجبي.
أي فيديو؟
مقابلتكِ! خصوصًا جملة النجاة! التعليقات انفجرت!
فتحتُ تيك توك ببطء.
وكان الفيديو فعلًا ينتشر بسرعة مرعبة.
آلاف التعليقات.
هذه البنت موجوعة.
واضح أنها مرت بشيء.
أحسستُ بكلامها.
لكن تعليقًا واحدًا فقط شدّني
بعض العائلات تكسر أبناءها ثم تتساءل لماذا يهربون.
شعرتُ بغصّة حادة.
ثم أغلقت الهاتف.
وفي تلك اللحظة
وصلتني صورة جديدة من تبارك.
فتحتُها ببطء.
كانت صورة لغرفتنا.
فارغ.
ومكتبي مرتب للمرة الأولى منذ سنوات.
أما الرسالة فكانت قصيرة جدًا
الغرفة أصبحت هادئة جدًا بدونك.
ظللتُ

أحدّق فيها طويلًا.
لا أعرف لماذا
لكن شيئًا داخل صدري انقبض فجأة.
ولأول مرة
شعرتُ أن الرحيل لا يؤلم الشخص الذي يغادر فقط.
بل حتى الذين بقوا خلفه.
مرّت الأسابيع الأولى في بيت الطالبات ببطء غريب.
كنتُ أستيقظ كل صباح قبل الجميع، أرتدي ملابسي بهدوء، وأخرج إلى جامعة بغداد بينما المدينة ما تزال نصف نائمة.
في البداية شعرتُ بالخوف.
ليس من الدراسة.
بل من الوحدة.
لأن الإنسان حين يقضي عمره كله داخل بيت لو كان يؤذيهيعتاد وجود الأصوات حوله.
صوت أمه في المطبخ.
صوت أخيه وهو يصرخ بسبب مباراة.
حتى المشاكل نفسها تصبح جزءًا من الإحساس بالأمان.
لكنني كنتُ أعود كل مساء إلى غرفتي الصغيرة وأشعر براحة لم أعرفها من قبل.
لا أحد يفتش تعابير وجهي.
لا أحد يقارنني بتبارك.
لا أحد يطلب مني أن أكون الأكثر تفهمًا دائمًا.
فقط أنا
وصوت المكيف القديم
وضوء أصفر خافت فوق المكتب.
وبعد أسبوع تقريبًا، بدأتُ عملي كمدرّسة خصوصية لابن خالة رنا.
كان اسمه مصطفى.
طالبًا كسولًا بشكل يثير الأعصاب، لكنه كان يضحكني أحيانًا رغمًا عني.
وفي أول يوم أعطتني خالة رنا ظرفًا صغيرًا فيه أول أجر حصلت عليه بحياتي.
لم يكن مبلغًا كبيرًا.
لكنني ظللتُ أحدّق فيه طويلًا داخل الحافلة.
لأنها كانت أول مرة أشعر أنني أقف على قدمي فعلًا.
وفي تلك الليلة
اشتريتُ لنفسي شاورما وعصير رمان وجلست آكل وحدي قرب النهر.
ولأول مرة منذ شهور
لم أشعر أنني أحتاج أحدًا حتى أستحق الفرح.
أما البيت
فبقي صامتًا.
أمي كانت ترسل رسالة قصيرة كل يوم تقريبًا.
هل أكلتِ؟
هل تحتاجين شيئًا؟
كيف الجامعة؟
لكنني كنتُ أرد ببرود مختصر.
ليس لأنني أكرهها
بل لأن شيئًا داخلي انكسر ولم يعرف كيف يعود كما كان.
أما أبي فلم يتصل أبدًا.
وسيف
اختفى تمامًا.
وكأن وجودي أو غيابي لا يغيّر شيئًا في حياته.
لكن الغريب
أن تبارك وحدها كانت تستمر بإرسال الرسائل.
صور للقطة التي كانت تدخل حديقتنا.
فيديو قصير للمطر في الأعظمية.
حتى صورة لكوب الشاي المفضل لديّ.
ولا تكتب شيئًا أحيانًا.
فقط ترسل الصورة وتصمت.
وذلك كان يربكني أكثر من كرهها نفسه.
بعد شهر تقريبًا
بدأ شيء غريب يحدث على السوشيال ميديا.
الناس صاروا يعرفونني.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى