
كريم فضل ماسك الورقة بإيده كأنه ماسك حاجة بتحرقه. عينيه كانت بتنقل بين السطور بسرعة، وكل سطر كان بيشيل من وشه جزء من الثقة اللي داخل بيها البيت. سارة قامت بسرعة من مكانها وقالت بتوتر: “هات الورقة دي يا ليان.” لكن ليان استخبت ورا ضهري فورًا، وجسمها الصغير كان بيترعش. لأول مرة من بداية الليلة، حسيت بخوفها الحقيقي. مش خوف طفلة اتزعقلها… خوف طفلة حاسة إن وجودها نفسه مشكلة للكبار. كريم رفع عينه ببطء وقال لسارة: “إنتِ مضيتي إنك تتنازلي عنها نهائي؟” سارة حاولت تتكلم، لكن الكلمات كانت بتطلع متكسرة. “أنا… كنت صغيرة… ومتوترة…” كريم قاطعها بعصبية: “بس قولتيلي إن أهلها أخدوها منك غصب!” أمي دخلت بسرعة تحاول تنقذ الموقف: “كريم يا ابني كل البيوت فيها مشاكل…” لكنه لف لها بعصبية لأول مرة: “مشاكل؟ دي طفلة كانت فاكرة إن أمها كرهتها طول عمرها!” الصمت رجع يضرب السفرة من جديد، لكن المرة دي كان أثقل. ليان كانت ماسكة في هدومي ووشها مدفون في جنبي، وأنا بحاول أتماسك قدامها. لأن أسوأ حاجة بالنسبة لطفل مش إنه يسمع الحقيقة… أسوأ حاجة إنه يشوف الكبار بيخافوا منها. كريم رجع يبص لسارة وقال بصوت منخفض: “إنتِ كنتِ ناوية ما تشوفيهاش تاني فعلًا؟” سارة بدأت تعيط وهي تهز راسها بسرعة: “لا… يعني… كنت محتاجة وقت…” ضحكت ضحكة صغيرة كلها تعب. “ست سنين يا سارة؟ ده مش وقت. ده عمر كامل.” أمي بصتلي بغضب وقالت: “إنتِ مستمتعة بالفضيحة دي؟” بصيتلها بهدوء وقلت: “أنا مستمتعة إن الحقيقة طلعت أخيرًا.” كريم نزل عينه على ليان، والبنت الصغيرة كانت باصة في الأرض وكأنها ندمت إنها اتكلمت. قرب منها ببطء وركع قدامها وقال بصوت أهدى: “إنتِ اسمك ليان صح؟” هزت راسها بخوف بسيط. سألها: “إنتِ عايشة مع مين؟” قالت فورًا ومن غير تفكير: “مع ماما.” وشاورت عليا. الكلمة خرجت طبيعية جدًا… تلقائية جدًا… لدرجة إن كريم سكت ثواني طويلة. لأنه فهم فجأة إن الموضوع مش ورق ولا قرارات قديمة. فيه طفلة بالفعل اختارت أمها بقلبها. سارة
شهقت وكأن الكلمة ضربتها. قالت بسرعة: “أنا أمها!” لأول مرة ليان رفعت وشها وبصتلها مباشرة. عينيها كانوا مليانين دموع، لكنها قالت بهدوء هزني أنا نفسي: “الأم مش اللي تولد وبس.” أمي صرخت فورًا: “عيب! مين علّمها الكلام ده؟” لكن محدش رد. لأن الحقيقة أوقات بتطلع من طفل أوضح من ألف شخص كبير. الليلة خلصت بطريقة كارثية. كريم ساب البيت من غير حتى ياخد الجاكيت بتاعه. سارة فضلت تعيط هستيري، وأمي تقنعها إن “الرجالة بيرجعوا.” وأنا أخدت ليان ومشيت. طول الطريق كانت ساكتة. هدوءها كان يخوف أكتر من أي انهيار. ولما وصلنا البيت، ساعدتها تبدل هدومها وتغسل سنانها كأن اللي حصل مجرد يوم متعب وخلاص. لكن وهي نايمة، سمعتها بتهمس بصوت صغير جدًا: “أنا بوظت كل حاجة؟” حسيت قلبي وقع. قعدت جنبها وقلت فورًا: “إنتِ ما بوظتيش حاجة. إنتِ قلتي الحقيقة بس.” بصتلي بعينيها الواسعين وقالت: “بس الناس زعلت.” قلت بهدوء: “الناس بتزعل لما الحقيقة تكشفهم.” فضلت باصة ليا شوية، وبعدين نامت وهي ماسكة طرف التيشيرت بتاعي بإيدها الصغيرة. الليلة دي ما نمتش. فضلت قاعدة في الصالة أبص على الصور القديمة. صور أول يوم ليان دخلت بيتي فيه. كانت رضيعة صغيرة جدًا، ساكتة بشكل يخوف، كأنها من أول يوم فهمت إنها غير مرغوب فيها. فاكرة أول مرة سخنت بالليل وفضلت ألف بيها على المستشفى وأنا بعيط أكتر منها. فاكرة أول يوم مدرسة، لما مسكت إيدي بخوف وقالت: “هتيجي تاخديني؟” كأنها متأكدة إن كل الناس بتمشي. وكنت كل مرة أوعدها إني هرجع. وكنت برجع فعلًا. بعد أسبوع، كريم كلمني. صوته كان مرهق بشكل واضح. قال: “ممكن أشوفك؟” قابلته في كافيه هادي بعيد عن البيت. أول ما قعد، حط قدامه ملف صغير. فتحت الملف، ولقيت صور. صور لسارة في حفلات وسفر وخروجات خلال السنين اللي كانت بتقول فيها إنها “بتحاول تستقر.” كريم قال بمرارة: “أنا اكتشفت إنها كانت بتكدب عليا في حاجات كتير.” سكت شوية وبعدين قال: “أنا ماعرفتش أنام من يوم عيد الميلاد.” ما







