
كانت ليلة فرحي اللي المفروض تكون أسعد ليلة في حياتي، لكن من أول لحظة دخلت فيها بيت جوزي حسيت إن في حاجة مش طبيعية بتحصل حواليا. حماتي أمينة كانت ست معروفة بين الناس بالهدوء والطيبة، لكن كل ما تبصلي كنت أحس إن في حاجة مستخبية ورا عينيها. ابتسامتها كانت دايمًا موجودة، لكن ما كانتش بتوصل لعينيها أبدًا.
-
انا وعيلتى حكايات بسمهمنذ 7 أيام
-
حمايا حكايات زهرة حصريمنذ 7 أيام
-
بعد أربع بناتمنذ 7 أيام
-
رجل عجوزمنذ 7 أيام
يوم الفرح نفسه، وسط الزغاريد والضحك والناس اللي مالية البيت، لقيتها بتقرب مني وهي ماسكة كيس أنيق جدًا. حطته في إيدي وقالت دي هدية مخصوص ليكي الليلة. شكرْتها وأنا مبتسمة، لكنها قبل ما تمشي قربت من ودني وقالت بصوت واطي خلي بالك من القميص… وما تسيبهوش بعيد عنك. ساعتها استغربت من طريقتها، لكن قلت يمكن مجرد اهتمام زيادة من أم العريس.
بعد ما خلص الفرح وروحنا البيت، دخلت أوضة النوم وفتحت الكيس. لقيت جواه قميص نوم أبيض جميل جدًا، شكله غالي ومتفصل بعناية. مسكته علشان ألبسه، لكن وأنا بفرده حسيت بحاجة صغيرة وقعت منه على الأرض. نزلت أشوفها، لقيت خصلة شعر مربوطة بخيط أحمر رفيع. وقفت مكاني مستغربة. قلت يمكن حاجة دخلت بالغلط أثناء التغليف. لكن رغم إني حاولت أقنع نفسي بكده، قلبي ما ارتاحش. خبيت الخصلة في درج الكومود، ولبست قميص
تاني من هدومي أنا.
من تاني يوم بدأت ألاحظ إن حماتي كل ما تشوفني تسألني نفس السؤال لبستي القميص؟ أول مرة جاوبتها عادي. تاني مرة استغربت. تالت مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد هدية. كل مرة أقولها لأ، كانت ملامحها تتغير لثواني وكأنها مستنية حاجة معينة تحصل ومش بتحصل.
عدى أسبوع، وبعدها بأيام كنت راجعة البيت بدري. دخلت لقيت حماتي عندنا ومعاها بنتها هبة. كانت هبة بتحب الهزار جدًا، وأول ما شافت الكيس سألت أمها هو ده القميص اللي مخبياه؟ وريني شكله. حماتي اتوترت بشكل غريب وقالت لها بعصبية سيبيه مكانه. لكن هبة ضحكت وقالت كأنك مخبية كنز.
الموضوع انتهى وقتها، لكن الشك بدأ يكبر جوايا. أخدت خصلة الشعر وروحت لست كبيرة في بلدنا كانت الناس بتلجألها في الأمور الغريبة. أول ما شافت الخصلة، اتغير لون وشها. سألتني منين جبتها. لما حكيت لها، سكتت شوية وقالت ارميها بعيد وما ترجعيش تسألي. حاولت أعرف السبب لكنها رفضت. كل اللي قالته في ناس بتستخدم حاجات زي دي في أذى غيرها.
رجعت البيت وأنا مرعوبة. ومن يومها بدأت أراقب كل حاجة. لحد ما في يوم اختفى القميص من الدرج. قلبت البيت كله وما لقيتوش. افتكرت إني يمكن نقلته مكان تاني ونسيته. لكن الحقيقة ظهرت بعدها بيومين.
اتصلت بيا هبة وهي بتتكلم بسرعة تعالي بيتنا حالًا.
روحت وأنا مش فاهمة. أول ما دخلت لقيت البيت مقلوب. ناس داخلة وناس خارجة. صريخ وبكاء. وسط كل ده كانت هبة قاعدة على الأرض، وشها شاحب جدًا، وفي حضنها القميص الأبيض.
القميص اللي اختفى من عندي.
بصيت لحماتي. كانت واقفة في ركن بعيد، مرعوبة بشكل عمري ما شوفته قبل كده. أول ما شافتني همست هي لبسته…
في اللحظة دي فهمت إن هبة أخدت القميص من غير ما حد يعرف. لكن اللي ما فهمتوش هو ليه حماتي كانت مرعوبة بالشكل ده.
بدأت هبة تتصرف بغرابة. كانت أوقات تتكلم عادي، وأوقات تبص للسقف وتضحك لوحدها. ساعات تصحى من النوم تصرخ وتقول إن في راجل واقف عند باب أوضتها. وساعات تقول إنها سامعة حد بينادي عليها من البير القديم اللي ورا البيت.
الأطباء كشفوا عليها وما لقوش حاجة. قالوا إنها سليمة جسديًا. لكن حالتها كانت بتسوء يوم بعد يوم.
بعد أسبوعين حصلت حاجة قلبت كل الموازين.
كنت قاعدة مع حماتي لوحدنا. لأول مرة لقيتها بتعيط. عياط حقيقي. قالت لي لازم تعرفي الحقيقة.
وساعتها حكتلي سر مدفون من أكتر من عشرين سنة.
قالت إن قبل ما جوزي يتولد كان في راجل غني جدًا اشترى أرض كبيرة جنب أراضي العيلة. الراجل ده دخل في خلافات مع ناس كتير بسبب الميراث. وفي يوم اختفى فجأة. محدش عرف راح فين. بعد شهور لقوا جثته مدفونة في مكان بعيد.
لكن أهل البلد وقتها كانوا بيتهامسوا إن موته ما كانش طبيعي.
وإن في ناس ظلمته قبل ما يموت.
ولما سألتها إيه علاقة ده بهبة أو بالقميص، سكتت.
ثم قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
أبو جوزك كان واحد من الناس اللي شاركوا في ظلمه.
فضلت باصة لها وأنا مش مستوعبة.
كملت وهي بتبكي إن أبو جوزي قبل موته بسنوات كان عايش في رعب دائم. كان بيقول إنه شايف الراجل ده في أحلامه كل ليلة. وكان مقتنع إن لعنة هتنزل على العيلة كلها.
وبدافع الخوف والجهل، لجأت حماتي لواحدة نصابة أوهمتها إنها تقدر تحمي ابنها الوحيد من أي شر. الست دي طلبت منها تعمل أشياء غريبة وتحط أشياء معينة في قميص العروسة الجديدة علشان تنقل النحس بعيد عن ابنها.
حماتي اعترفت إنها صدقت الكلام ده.
واعترفت إنها هي اللي حطت خصلة الشعر داخل القميص.
لكنها كانت فاكرة إنها بتحمي ابنها.
ما كانتش تعرف إن بنتها هبة هتلبسه بدل مني.
بعد الاعتراف ده بدأت الأمور تتسارع بشكل مخيف.
هبة كانت كل يوم بتتكلم عن أسرار محدش يعرفها. أسرار حصلت قبل ما تتولد بسنين. كانت تذكر أسماء ناس ماتوا.
وتحكي تفاصيل قديمة أكدها كبار البلد. لدرجة إن الناس بدأت تخاف منها.
وفي ليلة مطر شديدة، خرجت هبة من البيت فجأة.
اختفت.
دورنا عليها في كل مكان.
لحد الفجر.
وأخيرًا لقيناها واقفة جنب البير القديم.
حافية القدمين.
لابسة القميص الأبيض.
وبتبص جوه البير.
قربنا منها بحذر.
وفجأة قالت بصوت هادئ جدًا
الحقيقة تحت الأرض… مش تحت الميه.
وبعدين وقعت مغشيًا عليها.
الكلمات دي خلتنا نفتش في الأرض القريبة من البير. وبعد أيام من الحفر اكتشف العمال صندوق خشبي قديم مدفون من عشرات السنين.
الصندوق كان مليان أوراق ومستندات قديمة تثبت إن الراجل اللي مات زمان اتسلبت حقوقه بالفعل.
وإن ناس كتير شاركت في إخفاء الحقيقة.
لما ظهرت المستندات، اتغيرت حياة عائلات كاملة في البلد.
حقوق رجعت لأصحابها.
وأسرار اتكشفت بعد سنين طويلة.
أما هبة، فبعد العثور على الصندوق بدأت حالتها تتحسن تدريجيًا.
وكأن الحمل اللي كان فوقها اختفى فجأة.
وفي يوم من الأيام، دخلت عليا أوضتي وهي مبتسمة لأول مرة من شهور.
وقالت لي
أنا فاكرة كل حاجة حصلت… بس كأنها كانت حلم طويل.
بصيت لها وسألتها
مين كان بيناديكي؟
سكتت لحظة.
ثم ردت
مش عارفة.
ولما قامت تمشي، وقفت عند الباب وقالت
بس متأكدة من حاجة واحدة…
لو كنتِ لبستي القميص ليلة فرحك… يمكن عمرك ما كنتِ عرفتي الحقيقة.
ومن يومها اختفى القميص الأبيض تمامًا.
دورنا عليه كتير.
فتشنا البيت كله.
ما لقيناهوش.
ولا حد شافه تاني أبدًا.
لكن الغريب إن حماتي قبل وفاتها بسنوات قليلة كانت أحيانًا تصحى من النوم مرعوبة وتقول إنها شافت القميص متعلّق لوحده في آخر الممر.
ولما كنا نسألها إذا كانت متأكدة، كانت ترد بنفس الجملة كل مرة
بعض الأخطاء بتنتهي… لكن أثرها عمره ما بيختفي.
بعد ما رجعت هبة لطبيعتها، حاولت العيلة كلها تنسى اللي حصل. الناس في البلد رجعت لحياتها، والحديث عن الصندوق والأوراق القديمة بدأ يقل يومًا بعد يوم، وكأن الجميع اتفقوا على دفن الذكريات من جديد. لكن الحقيقة إن اللي حصل ما كانش انتهى، بل كان مجرد بداية لشيء أكبر.
مرت شهور، ثم سنة كاملة تقريبًا، وأنا وجوزي عايشين بهدوء لأول مرة منذ ليلة الفرح. هبة بقت أحسن، وحماتي بطلت تتكلم عن الماضي نهائيًا. لكني كنت ألاحظ حاجة غريبة فيها. كانت كل ما تسمع حد يجيب سيرة البير القديم أو الأرض اللي اتدفن فيها الصندوق، يتغير لون وشها وتسكت فجأة.
وفي إحدى الليالي، صحيت على صوت خبط خفيف جدًا على باب أوضتي.
فتحت عيني.
بصيت للساعة.
كانت الثالثة فجرًا.
الخبط اتكرر.
قمت وأنا متوترة وفتحت الباب بسرعة.
لكن الممر كان فاضي.
مافيش حد.








