روايات وقصص

طلب مني زوجي

الحراس بالخارج موجودون كعادتهم.
لكن شيئًا داخل البيت لم يكن طبيعيًا.
صعدت الدرج ببطء.
ثم دخلت غرفة سيف القديمة لتُخفي الأوراق مؤقتًا.
لكنها توقفت فجأة.
الأدراج لم تكن كما تركتها.
أحدهم فتش الغرفة.
اقتربت أكثر.
وجدت الصور القديمة مبعثرة فوق الطاولة.
وبعض الملفات مفتوحة.
ثم انتبهت لشيء آخر.
صورة قديمة كانت تجمع سيف بالحاج كاظم اختفت تمامًا.
وفي تلك اللحظة
سمعت صوت باب القصر الخارجي يُفتح ببطء.
تجمّد جسدها كله.
ثم تبعه صوت خطوات ثقيلة مألوفة داخل الممر.
الحاج كاظم عاد.
أغلقت أمينة الدرج بسرعة، وأخفت الأوراق داخل حقيبتها بعصبية، بينما كانت الخطوات تقترب ببطء من الغرفة.
ثم توقفت أمام الباب تمامًا.
ساد صمت ثقيل للحظات.
قبل أن يدخل كاظم أخيرًا.
كان يبدو مرهقًا بصورة لم ترها عليه من قبل.
دشداشته الرمادية مجعدة قليلًا، وعيناه غارقتان في تعب واضح، وكأنه لم ينم منذ يومين.
لكن أكثر ما أخافها
أنه لم يبدُ متفاجئًا لرؤيتها داخل الغرفة.
بل نظر حوله بهدوء، ثم قال
كنت أعرف أنك ستدخلين هنا يومًا.
شعرت أمينة بأن قلبها بدأ يخفق بعنف.
لكنها تماسكت وسألته مباشرة
أنت من فتش الغرفة؟
نظر نحو الأدراج المفتوحة للحظات، ثم جلس ببطء فوق الكرسي القديم قرب المكتب.
ولأول مرة منذ عرفته
بدا الحاج كاظم عجوزًا فعلًا.
لا رجل أعمال نافذًا.
ولا شخصًا تخشاه بغداد.
مجرد رجل متعب يحمل شيئًا أثقل منه منذ سنوات.
رفع عينيه نحوها أخيرًا وقال
فتحتِ الخزنة، أليس كذلك؟
لم تجب.
لكنه فهم من صمتها.
أخذ نفسًا طويلًا، ثم مرر يده فوق وجهه بتعب وقال
سيف بدأ يشك بالجميع في آخر فترة.
اقتربت أمينة خطوة نحوه بعصبية
هل كان معه حق؟
رفع رأسه ببطء.
لا أعرف.
وكانت تلك أول مرة تسمعه يقولها.
ثم أكمل بصوت هادئ
دخلنا أعمالًا أكبر منا أموال كثيرة ورجال أخطر مما تخيلنا.
جلست أمينة أمامه دون أن تشعر.
وصوته بدأ يجرّها إلى سنوات لم تكن تعرف عنها شيئًا.
حكى لها كيف بدأت الشركة صغيرة.
وكيف توسعت بسرعة.
وكيف دخل رجال نافذون شركاء غير معلنين في بعض الصفقات.
وفي البداية
كان سيف يظن أن الأمر مجرد فساد مالي عادي، يمكن التعايش معه كما يحدث داخل كثير من الشركات الكبيرة.
لكن مع الوقت
بدأ يكتشف أمورًا لم تعجبه.
تحويلات مشبوهة.
أسماء وهمية.
وأموال تختفي فجأة دون أثر واضح.
سيف أراد الانسحاب.
قالها كاظم بصوت منخفض.
ثم صمت لحظة قبل أن يكمل
لكنه اكتشف متأخرًا أن بعض الأبواب لا تُفتح ثم تُغلق بسهولة.
شعرت أمينة ببرودة تسري في أطرافها.
هل قُتل سيف؟
ظل الحاج كاظم صامتًا لثوانٍ طويلة.
وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطقها.
ثم قال أخيرًا
لا أملك دليلًا لكني لم أصدق يومًا أنها كانت مجرد حادثة.
اختنق صوتها وهي تسأله
وأنت؟ ماذا فعلت؟
خفض نظره نحو الأرض.
وهنا فقط
فهمت أمينة الحقيقة كاملة.
لم يكن قاتلًا.
لكنه خاف.
خاف من الرجال الذين كانوا خلف الشركة.
وخاف على نفسه.
وعلى اسمه.
وعلى أولاده.
فصمت.
وكان ذلك الصمت يطارده منذ ست سنوات كاملة.
شعرت أمينة بالغضب يشتعل داخلها.
إذن تركته يواجه كل شيء وحده؟
أغلق كاظم عينيه للحظة طويلة.
ثم قال بصوت مكسور بالكاد سمعته
كنت جبانًا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى الهواء بدا ثقيلًا بصورة مؤلمة.
ثم سألته فجأة
لماذا تزوجتني؟
رفع رأسه نحوها ببطء.
وبدا كأنه يبحث عن طريقة يشرح بها شيئًا قبيحًا وإنسانيًا في الوقت نفسه.
في البداية ظننت أن بقائي قريبًا منكِ ومن علي سيجعلني مطمئنًا.
توقفت أنفاسها للحظة.
لكنه أكمل بسرعة، وكأنه يخشى أن تفهم الأمر بصورة أسوأ
كنت أريد أن أبقى قريبًا من كل ما تركه سيف خلفه حتى لا تظهر مفاجآت أخرى.
شعرت أمينة بالغثيان للحظة.
لكن كاظم تابع بصوت أكثر هدوءًا
ثم تعلقت بكما أكثر مما

توقعت.
لم تعرف ماذا تقول.
لأنها كانت ترى صدقه لأول مرة
وترى قذارته أيضًا في الوقت نفسه.
رجل أحبهم فعلًا.
لكنه بنى ذلك الحب فوق خوف قديم وصمت مؤذٍ.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة ووضعها فوق الطاولة.
كانت صورة لسيف وهو يحمل علي طفلًا صغيرًا.
وقال بصوت خافت
كلما كبر علي أصبح يشبهه أكثر.
شعرت أمينة بالقشعريرة.
ولهذا أردت إبعاده؟
أطرق كاظم رأسه ببطء.
في البداية نعم.
ساد الصمت للحظة.
ثم أكمل بصوت مرهق
كنت أراه في كل زاوية من البيت في ضحكته وفي طريقته بالنظر إلي.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت أمينة أن خوف الحاج كاظم من

مقالات ذات صلة

علي لم يكن كراهية.
بل ذنبًا قديمًا عاد للحياة أمامه كل يوم.
ثم قال فجأة
الأوراق التي أخذتها من الخزنة لا تحتفظي بها هنا.
نظرت إليه بحذر.
ما زلت تخاف منهم؟
رفع عينيه نحوها مباشرة.
وكان الخوف فيهما حقيقيًا هذه المرة.
بعض الرجال لا ينسون ولا يتركون ما يهددهم خلفهم.
مرت أيام ثقيلة بعد تلك الليلة.
الحاج كاظم لم يعد كما كان.
أصبح أكثر هدوءًا.
أقل غضبًا.
وكثيرًا ما يجلس وحده في الحديقة لساعات طويلة، وكأنه يحاول الهروب من أفكاره للمرة الأولى بدل الهروب من الناس.
أما علي
فبدأ يتعامل معه بحذر بعد الشجار.
لكن شيئًا صغيرًا تغيّر بينهما.
في إحدى الليالي، كان علي يرسم داخل الصالة، حين اقترب منه الحاج كاظم بصمت.
جلس قربه ببطء.
ثم قال
ماذا ترسم؟
رفع علي الورقة بحماس طفولي
أنا وأبي.
نظر كاظم إلى الرسم طويلًا.
ثم سأل بهدوء متردد
أي أب؟
ابتسم علي بعفوية
كلاهما.
وفي تلك اللحظة
انكسرت آخر طبقة قسوة داخل الرجل العجوز.
أخفض رأسه سريعًا حتى لا يراه الطفل.
لكن أمينة، التي كانت تراقبه من بعيد، رأت عينيه تمتلئان بالدموع لأول مرة منذ عرفته.
بعدها بأيام
اتخذت قرارها.
لم تسلّم الأوراق لأحد.
ولم تفتح حربًا مع الرجال الذين ظهرت أسماؤهم في الملفات.
بل أخذت نسخًا منها، ووضعتها في مكان آمن خارج البيت.
ثم أخبرت الحاج كاظم بشروطها بوضوح
إذا أراد البقاء
فلن يعيش علي خائفًا داخل هذا المنزل مرة أخرى.
وافق دون جدال.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة
بدأ الحاج كاظم يحاول أن يعيش بدل أن يهرب.
وفي إحدى أمسيات بغداد الهادئة، بينما كان صوت الأذان يملأ السماء، جلس علي بجانبه في الحديقة وسأله فجأة
هل كان أبي يحبك؟
ظل كاظم صامتًا طويلًا.
ثم نظر نحو السماء وقال بصوت خافت
أكثر مما أستحق.
وأمينة، التي كانت تسمعهما من بعيد
أدركت أخيرًا أن بعض الأسرار لا تنتهي بمجرد كشف الحقيقة.
بل تبدأ بعدها حياة كاملة من محاولة التعايش معها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى