منوعات

في عيد ميلاد بنتي السادس

كانت  تفوح برائحة الفانيليا والسكر المحروق، تلك الرائحة الدافئة التي ترتبط دائمًا في الأذهان بيقين البراءة وأعياد الميلاد، لكنها اليوم كانت تمتزج في حلقي بطعم غريب يشبه صدأ الحديد. تحركتُ في الصالة أعدل وضع الزينة الملونة، وأنفخ بالونات وردية وبيضاء لتناسب عام ابنتي ليان السادس. ست سنوات مرت كلمحة بصر، كبرت فيها طفلتي وتغيرت ملامحها، لكن الثابت الوحيد في الشهور الثمانية الأخيرة كان ذلك الصمت الثقيل الذي فرضه زوجي طارق بيننا وبين عائلته. بدأت الأزمة عندما تحولت تدخلات والدته إلى ما يشبه الحصار؛ لم يكن الأمر مجرد نصائح عابرة حول تربية الصغار أو طبيعة الطعام، بل تعداه إلى محاولات مستمرة لزعزعة ثقة ليان فيّ كأم.

في كل مرة كنت أحاول فيها وضع حدود لأسلوب التربية، أو منع طفلتي من الإفراط في تناول الحلوى قبل الوجبات، كانت حماتي تنظر إلى البنت بعينين مليئتين بالشفقة المصطنعة وتقول لها بصوت مسموع مامتك شديدة أوي يا حبيبتي، تعالي في حضن تيتا اللي مش بتزعلك أبدًا. تكرر الموقف، وتطورت المشادات حتى وصلت إلى ليلة عاصفة قبل ثمانية أشهر، صرخ فيها طارق في وجه أبيه وأمه معلنًا  مؤقتًا حتى يتعلم الجميع احترام خصوصية بيتنا الصغير. ومنذ تلك الليلة، خيم هدوء حذر على

حياتنا، هدوء ظننت أنه سيستمر حتى جاء جرس الباب في ظهيرة يوم عيد الميلاد، ليعلن وصول طرد مغلف بورق ذهبي لامع، ومربوط بشريطة ستان وردية عريضة، يحمل بطاقة صغيرة كُتب عليها بخط حماتي المميز إلى حبيبتنا ليان.. كل عام وأنتِ بخير.
لم تكد ليان تلمح الهدية حتى انطلقت أسارير وجهها بالفرح، وجرت حافية القدمين فوق السجادة، تاركة ألعابها الصغيرة خلفها، وهي تصرخ بلهفة طفولية هزت جدران قلبي تيتا وجدو افتكروا عيد ميلادي!. في تلك اللحظة بالذات، شعرت بقبضة باردة تعتصر أحشائي، والتفتُ تلقائيًا نحو المطبخ حيث كان طارق يقف متجمدًا وهو يمسك بسكين الفاكهة، ينظر إلى الصندوق الذهبي وعيناه تشتعلان بمزيج من الغضب والارتباك.

حاولت السيطرة على ملامح وجهي، وابتسمت لابنتي بالعافية رغبة مني في ألا أفسد فرحتها الفطرية بهذا اليوم المنتظر، وقلت لها بصوت حاولت جاهدة أن يكون طبيعيًا يلا يا حبيبتي افتحي الهدية. بمجرد أن أذنتُ لها، انقضت أصابعها الصغيرة على ورق التغليف الذهبي تمزقه بشغف وسرعة، لتخرج من أحضان الورق دبدوبًا بنيًا ناعم الملمس، شديد الجاذبية، تزينه فيونكة حمراء صغيرة حول رقبته، وتبرز من وجهه عينان سوداوان لامعتان تعكسان ضوء غرفة المعيشة. ارتمت ليان على الدبدوب تحضنه بكل حب، وضحكتها تملاً المكان، وظلت هكذا تشعر بانتصار طفولي لم يدم للأسف سوى ثلاث ثوانٍ فقط.
فجأة، وبشكل مرعب، شعرت بجسم طفلتي يتجمد بين يدي، وتوقفت ضحكتها تمامًا وكأن تيارًا كهربائيًا قد سرى في جسدها الصغير. أبعدت الدبدوب عنها ببطء، وتراجعت خطوة إلى الخلف، ثم رفعت عينيها نحوي وهي تفيض بخوف مباغت وغير مبرر، وقالت بصوت متهدج ماما… ده إيه؟.

 

في البداية، اعتقدت أنها تلمح الكارت الورقي المعلق في رقبته وتريد مني قراءته، فاقتربت منها وجثوت على ركبتي لأكون في مستواها، لكن عيني لم تقع على الكارت، بل تسمرت فورًا على وجه الدبدوب البني. لاحظت في ثوانٍ معدودة أن عينه الشمال تختلف تمامًا عن عينه اليمين؛ اليمنى كانت زجاجية، مصمتة، طبيعية تمامًا كأي لعبة أطفال، أما اليسرى… فقد كانت تحتوي في منتصفها الدقيق على نقطة سوداء غائرة، أعمق من المعتاد، وتبدو وكأنها فتحة ميكروسكوبية دقيقة جدًا صُنعت بعناية فائقة لتختفي داخل لمعان البلاستيك الأسود.

في تلك اللحظة، شعرت وكأن قلبي قد سقط في هوة سحيقة، ودارت بي الغرفة. تذكرت قصصًا كثيرة قرأتها وظننتها ضربًا من الخيال أو المبالغات، لكن المشهد أمامي كان ينطق بحقيقة واحدة مرعبة. أخذت الدبدوب من يدها بهدوء مصطنع، وضغطت على أصابعي حتى لا ترتعش، ثم نظرت إلى عينيها الواسعتين وقلت لها بنبرة هادئة روحي يا حبيبتي ساعدي بابا يحط الشمع على التورتة في المطبخ. بصتلي باستغراب طفولي وسألتني بنقاء هو بايظ يا ماما؟، فابتسمت لها بملامح متشنجة وقلت يمكن… هبص عليه بس واصلحهولك.

لم يكن طارق بحاجة ليعرف التفاصيل من كلماتي؛ إذ لمح ملامح وجهي التي انقطع عنها الدم تمامًا، فساب كل ما في إيده وجاء إليّ فورًا بخطوات سريعة ثقيلة. قلبت الدبدوب بين يدي بحذر شديد، وتمرير أصابعي فوق الفراء الناعم قادني سريعًا إلى منطقة الظهر. هناك، وتحت الغطاء القماشي القريب من موضع البطاريات المعتاد، شعرت بوجود جزء مستطيل حاد وصلب، لم يكن حشوًا قطنيًا بأي حال من الأحوال، بل كان جسمًا إلكترونيًا مربعًا مستخبيًا بعناية داخل أحشاء اللعبة.

 

همس طارق بصوت مخنوق وعيناه تتسعان ذهولاً في إيه يا منى؟ إيه اللي جواه ده؟. لم أرد عليه بكلمة واحدة، بل تحركت كآلة صماء، دخلت غرفة النوم الرئيسية وقفلت الباب خلفنا بالمفتاح، ثم وضعت الدبدوب فوق الكومود ومددت يدي لأطفئ أنوار الغرفة تمامًا. في الظلام الدامس، تجلت الكارثة؛ لمعت العين الشمال للدبدوب بوميض أحمر خافت للغاية، وميض متقطع لا يكاد يُرى إلا لعين فاحصة تبحث عنه، ولكنه كان كافيًا ليعلن أن هذا الشيء يعمل، ويتحرك، وينقل شيئًا ما. تغير
إلى الشاشة ثم أغلق عينيه بقوة.
لأول مرة منذ عرفته رأيت دموعه تنزل دون أن يحاول إخفاءها.
قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن أمي بتحب بنتي…
لكن ده مش حب…
ده امتلاك.
ساد الصمت.
حتى وكيل النيابة لم يتكلم لعدة ثوان.
ثم قال بهدوء
أحيانًا أخطر أنواع الأذى بتكون جاية من الناس اللي بنفترض إنهم أكثر الناس حبًا لينا.
خرجنا من النيابة ونحن نحمل فوق أكتافنا سنوات كاملة من الخداع.
وفي المساء…
دخلت غرفة ليان.
كانت نائمة تحتضن دمية أرنب صغيرة اشتريتها لها بعد الواقعة.
جلست بجوارها.
مررت يدي على شعرها.
ففتحت عينيها نصف فتحة وهمست
ماما…
ابتسمت.
نعم يا قلب ماما؟
قالت وهي شبه نائمة
الدبدوب الوحش مش هيرجع تاني… صح؟
شعرت بدموعي تسبق كلماتي.
مسحت على خدها وقلت
أبدًا يا حبيبتي…
ولا أي حاجة

هتخوفك طول ما إحنا جنبك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم نامت مرة أخرى.
أما أنا…
فلم أستطع النوم.
ظللت طوال الليل أفكر في شيء واحد.
كم مرة نثق في أشخاص فقط لأن بينهم وبيننا صلة دم؟
وكم مرة يكون الخطر الحقيقي مختبئًا خلف كلمة عيلة؟
مرت الشهور.
وانتهت التحقيقات.
وصدر الحكم.
لم يكن الحكم مجرد عقوبة بالسجن، بل شمل أيضًا مصادرة الأجهزة المستخدمة، ومنع أي تواصل مباشر أو غير مباشر معنا أو مع ليان طوال مدة محددة وفق الإجراءات القانونية.
ولم أفرح بالحكم.
لأنني كنت أعرف أن العدالة قد تعاقب الجريمة…
لكنها لا تستطيع أن تمحو آثارها من القلوب.
احتاجت ليان جلسات طويلة حتى تتخلص من خوفها من الألعاب الجديدة.
كانت كلما رأت دبدوبًا في متجر تسألني
هو ده بيشوفنا؟
وكان السؤال يمزق قلبي في كل مرة.
لكننا لم نستسلم.
اصطحبناها في رحلات.
ولعبنا معها.
وضحكنا كثيرًا.
حتى عادت ضحكتها الحقيقية تدريجيًا.
أما طارق…
فقد تغير تمامًا.
صار أكثر قربًا من ابنته.
وأكثر حرصًا على أن يشعرها بالأمان.
وكان يقول لي دائمًا
البيت مش جدران…
البيت هو المكان اللي الطفل يحس فيه إنه مش مراقب… ولا خايف.
وفي عيد ميلاد ليان السابع…
علقت الزينة من جديد.
وامتلأ البيت برائحة الكعك والفانيليا نفسها.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك أي طرود مجهولة.
ولا أي أجراس مفاجئة.
ولا أي خوف.
وقفت ليان أمام التورتة، وأغمضت عينيها قبل أن تطفئ الشموع.
فسألتها بعدها
إيه الأمنية اللي طلبتيها؟
ضحكت وقالت
مش هقول…
عشان تتحقق.
ثم ا بقوة.
وفي تلك اللحظة أدركت أن أجمل هدية يمكن أن يحصل عليها طفل ليست لعبة غالية، ولا دبدوبًا ضخمًا، ولا صندوقًا ملفوفًا بورق ذهبي…
بل بيت يشعر فيه بالأمان، وأب وأم يقفان أمام أي خطر، مهما كان مصدره، ليبقيا طفولته نقية كما يجب أن تكون.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت دبدوبًا بنيًا في واجهة أحد المحلات، لم أعد أتذكر الكاميرا التي كانت مختبئة داخل عينه، ولا الوميض الأحمر الذي كاد يدمر أسرتنا.
بل أتذكر درسًا لن أنساه ما حييت…
أن الثقة هدية ثمينة لا تُمنح لمجرد صلة القرابة، وأن الخصوصية ليست رفاهية، بل حق يستحق أن نحميه بكل ما نملك، وأن الأم حين تشعر بالخطر على طفلها قد تتحول في لحظة إلى أقوى خط دفاع، لا تعرف التردد ولا الخوف، حتى لو كان الخصم أقرب الناس إليها.
وهكذا أُغلق ذلك الملف في سجلات المحكمة، لكنه ظل مفتوحًا في ذاكرتنا، يذكرنا كل يوم بأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها حين تظهر، تكشف الوجوه كما هي، بلا أقنعة، وبلا أعذار، وبلا رحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى