روايات وقصص

جوزي خلاني أربي بنت اخته

رجعت بيتي ومعايا “رانيا” مراتي بعد ولادتها بشهر. كانت حماتي باعتة معاها “نِدر” كبير، عبارة عن 16 كيلو لحمة، وقالت إنها للحماية وللبركة عشان صحة بنتها. وأنا بحطهم في الفريزر، لقيت ورقة صغيرة متطبقة جوه الكيس مكتوب فيها: “محدش يلمس اللحمة دي ولا يطبخها إلا بعد أسبوع كامل.. أمانة في رقبتكم”.

 

مقالات ذات صلة

كنت ناوي أسمع الكلام، بس للأسف، الطمع طبع في النفوس. أبويا “الحاج عبد العزيز” عرف باللحمة، وكان بيشتكي من ضعف أخويا “تامر” بسبب شغله الشاق في الجبال. سحب اللحمة من ورايا، وطلب من أمي تطبخها فوراً، وقال لي: “يا واد كبر دماغك، دي مجرد حتة لحمة، حماتك دي موسوسة زيادة”. حاولت أحذره، حاولت أفكره بالورقة وبكلام حماتي، بس كان أصمّ أمام إغراء الأكل.

مرت ساعات، وفجأة انقلب البيت لجحيم. لا، مش جحيم دموي، بل جحيم من القلق والضياع. بدأت أحس ببرودة غريبة في البيت، خيالات بتتحرك في الزوايا، وأصوات تزييق في خشب السقف، كأن البيت نفسه بيعترض على اللي بيحصل. أبويا وأخويا وأمي بقوا في حالة مش طبيعية؛ عيونهم كانت بتلمع ببريق غريب، وكلامهم بقى عبارة عن طلاسم مش مفهومة. كانوا بياكلوا وكأنهم في غيبوبة، زي ما يكون فيه قوة مسيطرة على عقولهم وحواسهم.

كنت واقف في الصالة، قلبي بيدق بجنون، وبصيت على رانيا اللي كانت ضامة بنتها في حضنها وبتقرأ قرآن بصوت واطي. فجأة، لقيتهم قاموا وقفوا في وقت واحد، وبصوا لي بابتسامة صفراء مريبة. أبويا اللي كان بيحبني أكتر من روحه، بص لي نظرة باردة وقال: “الرزق اللي بييجي من غير ميعاد، طعمه بيبقى غريب.. وأنت يا أحمد، كنت لازم تستنى معانا”.

البيت بقى سجنه الخاص. حاولت أهرب، بس الأبواب كانت بتفتح على فراغ. وفجأة، افتكرت الورقة اللي رميتها في جيبي. طلعتها لقيت الكلام متغير، مكتوب فيها: “الندم هو المفتاح”. صرخت بكل قوتي: “أنا ندمان! ندمان إني ما حميتش بيتي، ندمان إني سيبت الطمع يدخل بيننا!”.

في اللحظة دي، البيت اهتز وكأن زلزال ضربه. فجأة، ساد الهدوء التام. لقيت نفسي واقف في نص الصالة، والبيت فاضي تماماً، وأبويا وأخويا وأمي نايمين في أوضهم نوم عميق، واللحمة اختفت من الحلة ومن المطبخ. بصيت لرانيا، كانت لسه نايمة، وبنتنا في حضنها بسلام.

عدت السنين، بس لسه بخاف من ريحة اللحمة المشوية. مش عشان “الوحوش” اللي شفتهم، بس لأن التجربة دي علمتني إن في حياتنا حاجات “نذر” ما ينفعش حد يلمسها، وإن أسرار البيوت لما بتطلع عن سياقها، بتخرب أكتر ما بتعمر. لسه كل ما بنفتكر اليوم ده، بنبص لبعض ونحمد ربنا إننا خرجنا من “عزومة الندم” دي بسلام، وعاهدت نفسي إن بيتي وقوتي هيكونوا دايماً محميين بالرضا، مش بالطمع.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى