
كان المطبخ ضيقًا، والهواء فيه مليء برائحة الطعام المتبقي والحرارة التي تخرج من الفرن القديم، لكننا كنا نعتبره ملاذنا الصغير أنا وبناتي التلاتة. في كل مرة تزورنا عائلة زوجتي، كنت أجمع أغراضنا ببطء، أضع على السفرة الصغيرة التي نأكل عليها عادةً ما تبقى من الطبق الرئيسي، قليل من الأرز، سلطة باردة، وأحيانًا قطعة خبز واحدة نتقاسمها.
كان زوجي دائمًا يقول لي بنبرة لا تقبل النقاش خدي البنات وكلوا في المطبخ النهارده السفرة مش هتكفي. في البداية كنت أبرر له، أقول في نفسي ربما المكان ضيق حقًا، ربما الضيوف كثر، وسيمر الوقت سريعًا ويعود كل شيء
لطبيعته. لكن الأيام مرت، والشيء أصبح عادة ثابتة، لا استثناء فيها أبدًا.
كانوا في الصالة الكبرى، أصوات ضحكاتهم تصلنا حتى هنا، رائحة اللحم المشوي والحلويات الغالية تملأ المكان، وهم يأكلون ويتحدثون بكل راحة، بينما نحن نسمع أصواتهم ونحن نأكل في زاوية المطبخ كأننا غرباء في بيتنا. بناتي كن ينظرن لي بعيون مليئة بالاستغراب، وكنت أتجنب نظرهن، لا أملك إجابة مقنعة لما يحدث.
في ذلك اليوم، جلست بنتي الصغيرة ليلى التي لم تتجاوز السادسة من عمرها، ونظرت لي بعيونها الكبيرة المليئة بالحزن، وسألتني بصوت خاڤت ماما إحنا مستخبيين من مين؟ ليه مش نروح نجلس معاهم زي باقي الناس؟. السؤال وجعني كالسکين، شعرت بدموعي تتجمع في عيني، لكنني حاولت أن أبتسم وأقول لها بصوت مرتجف محدش يا حبيبتي إحنا بس بنريح الضيوف، المكان هناك ضيق شوية، وبعد ما يمشوا نرجع نجلس في أي مكان نحبه
-
اماني سيد ج 1منذ 5 أيام
-
ايد بنتي ٢ حكايات زهرة حصريمنذ 5 أيام
-
في ليلة فرحيمنذ 5 أيام
-
ستين كيلو ړعبمنذ أسبوع واحد
.
لم أكن أعرف أن أبو زوجتي كان واقفًا وراء باب المطبخ المفتوح قليلاً، سمع كل كلمة قلتها، ورأى بناتي كيف يجلسن حول السفرة الصغيرة، وكيف يبدو الحزن على وجوههن. لم يصدر أي صوت حتى دخل فجأة، خطواته ثقيلة، ووجهه يعبر عن ڠضب شديد لم أره عليه من قبل. نظر إلينا طويلًا، ثم رأى الطعام الذي أمامنا، ثم نظر لي مباشرة وقال بصوت قوي وصل لكل ركن في البيت إنتِ لسه متعرفيش إن البيت ده بتاعك إنتِ وبناتك؟.
المعلقة وقعت من يدي وضړبت الأرض بصوت عالٍ، لم أستطع أن أتحرك، شعرت أن قلبي توقف عن النبض، كلماته كانت كالصاعقة التي ضړبتني فجأة. في تلك اللحظة ظهرت زوجتي في مدخل المطبخ، كانت قادمة لتجلب شيئًا، أول ما سمعت الجملة تجمدت في مكانها ثوانٍ ثم وقعت على الأرض فاقدة للوعي تقريبًا. زوجي جري إليها سريعًا، رفع رأسها وبدأ ينادي عليها، بينما أنا ظلت واقفة في مكاني لا أستطيع أن أفهم شيئًا.
اقتربت من أبو زوجتي وسألته بصوت ضعيف يعني إيه البيت بتاعي؟ إنت بتقول إيه يا حاج؟. لم يرد علي مباشرة، بل سار نحو الصالة، وأنا تبعته ببطء، وبناتي ورائي يمسكن بملابسي خوفًا. ذهب إلى جانب الكنبة القديمة، وأخرج منها شنطة جلدية قديمة مهترئة، وضعها على السفرة وفتحها، أخرج منها عقدًا ورقيًا قديمًا ملفوفًا بقطعة قماش بيضاء، وقال لي وهو يمدده لي اقرئي بنفسك يا بنتي، الحقيقة اتأخرت كتير، ومش ينفع تفضل مخفية أكتر من كده.
فتحت العقد بيدين مرتعشتين، وبدأت أقرأ الكلمات بصعوبة، قال بصوت هادئ لكنه يحمل حزنًا عميقًا من اثني عشر سنة، جوزك دخل في ديون ضخمة بسبب تجارته الفاشلة، والبنك كان هيسحب البيت ويبيعه في المزاد عشان يسدد الديون، كنتِ في تلك الفترة مريضة ومش عارفة حاجة عن كل ده. نظرت لزوجي الذي كان جالسًا بجانب زوجته التي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، كان لونه أبيض كالورق، وعيناه لا ترفعها عن الأرض.








