
لقيت جوه الصندوق رزمة ورق متدبسة، وأول ورقة فيهم كانت عبارة عن “عقد رهن” لشقتنا اللي إحنا قاعدين فيها ومتربيين فيها ولادنا! وتحته كمية “إيصالات أمانة” بمبالغ مرعبة.. ملايين! وكلها ممضية بخط إيد طارق ومبصوم عليها، وتواريخها بترجع لـ ٥ سنين ورا.
حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة، والدنيا اسودت في عيني. طارق؟ جوزي العاقل، الحنين، اللي كان دايماً بيعلم ولاده الأمانة والحرص.. كان مديون ومورطنا في كل المبالغ دي؟ رهن سقف بيتنا اللي بيأوينا؟
شريط ذكرياتي معاه في الخمس سنين دول بدأ يمر قدام عيني.. سهره الطويل في الشغل، سفرياته اللي زادت، إرهاقه الدايم، ولما كنت أعاتبه كان يبتسم ويقولي: “بأمن مستقبل الولاد يا نور عيني.”
أتاري كان بيسدد ديون؟ أتاري كان بيلعب قمار ولا دخل في صفقات مشبوهة ورمانا في الشارع وعرضنا للحبس والتشرد؟
الغضب والخذلان عموا عيني. حسيت إن طارق كدب عليا في كل لحظة عشناها، وإن الأمان اللي عشته معاه كان وهم. رميت الورق على الترابيزة بانهيار وأنا بشهق من العياط، وفجأة.. عيني وقعت على ظرف أبيض صغير كان مستخبي في قاع الصندوق، مكتوب عليه بخطه اللي أحفظه أكتر من ملامحي:
“إلى حبيبة أيامي.. ونور عيني”.
فتحت الظرف وإيدي بتترعش، ولقيت جواب طويل.. أول سطر فيه قريته، خلاني أقع على ركبي من الصدمة:
“سامحيني يا نور، لو بتقري الجواب ده، يبقى قلبي اللي كان بيعافر عشانكم خلاص تعب ووقف. أنا عارف إنك شفتي الورق ومرعوبة دلوقتي، بس أبوس إيدك اهدي، واقري الجواب ده للآخر.”
بدأت أقرأ، وكل كلمة كانت بتغسل نار قلبي وتبدلها بدموع من نوع تاني خالص.. دموع ندم وذهول.
طارق كتبلي إن من ٥ سنين، أخويا الصغير “أحمد” -اللي كان شغال محاسب في شركة مقاولات كبيرة- وقع في فخ نصب كبير، واتورط في عجز بملايين، وكان هيتسجن ويضيع مستقبله وسمعة عيلتنا كلها، وأبويا وقتها كان مريض قلب وأي صدمة كانت هتموته في ساعتها.
طارق، من ورايا ومن غير ما مخلوق يعرف، راح قعد مع أصحاب الشركة. رهن شقتنا، ومضى على إيصالات الأمانة باسمه هو، وشال الليلة كلها عشان ينقذ أخويا ويحمي اسم عيلتي من الفضيحة، وعشان أنا ما انكسرش وأعيش في قهرة على أخويا وأبويا.
كمل طارق في جوابه:
“كنت بشوفك بتضحكي وأنتِ بتلعبي مع العيال، وأقول لنفسي ضحكتها دي تسوى الدنيا. لو كنت قلتلك، كنتي هتبيعي دهبك وتتذلي للناس، وأنا عهدت ربنا يوم ما اتجوزتك إنك تعيشي ملكة. الخمس سنين اللي فاتوا أنا اشتغلت فيهم شغل ٣ رجالة. كنت بنام ساعتين بس عشان أسدد الفلوس دي وأفك رهن الشقة قبل ما أموت، لأني كنت حاسس إن قلبي مش هيستحمل المجهود ده كله كتير.”
وفي آخر الجواب، لقيت ورقة تانية متدبسة في الضهر. كانت “مخالصة نهائية” وورقة بتثبت إن الشقة رجعت باسمي أنا، وإن كل الديون اتسددت لآخر قرش. طارق دفع آخر قسط قبل ما يموت بـ أسبوع واحد بس!
السطر الأخير في الجواب كان قاضية لكل ذرة وجع جوايا:
“أنا مامتش مديون يا نور، أنا مت وأنا مطمن إن سقف بيتكم ملككم ومحدش ليه عندكم جنيه. قولي ليوسف وليلى وعمر إن أبوهم عاش ومات عشانهم وعشانك.. بحبك، وسامحيني إني خبيت عليكي.”
حضنت الجواب وصرخت بصوت جاب آخر العمارة.. صرخة قهرة على فراقه، وصرخة فخر بالراجل اللي عشت معاه. ده مكنش مجرد جوز، ده كان ضهر، وسند، وحارس أمين فدى راحته وعمره وصحته عشان يحميني أنا وأهلي! الكارثة اللي كنت فكراها خيانة، طلعت أعظم قصة حب وتضحية ممكن تتعاش.
تاني يوم، طلبت أخويا أحمد، ولما جه وواجهته بالجواب والورق، انهار ووقع على الأرض وباس رجلي وهو بيبكي بهستيريا، واعترف بكل حاجة. حلفلي إنه كان غبي، وإن طارق منعه يتكلم، وحلفلي إنه هيشتغل خدام تحت رجلي أنا وولادي طول عمره، وهيرد كل قرش طارق دفعه عشان يضمن مستقبل ولاده.
قفلت الصندوق، بس المرة دي وأنا رافعة راسي للسما. طارق سابلي أعظم ميراث ممكن راجل يسيبه لمراته وعياله؛ سابلي سيرة طيبة، وشرف، وتضحية متتنسيش.
مسحت دموعي، وجمعت ولادي حواليا، وبصيت في عنيهم وقولتلهم بكل قوة:
“أبوكم بطل.. والبيت ده هيفضل مفتوح وعامر باسمه وسيرته لحد ما أقابله.”
دي مكنتش نهاية حكايتي مع طارق، دي كانت بداية حياة جديدة، هعيشها وأنا فخورة ومرفوعة الراس، إني في يوم من الأيام.. كنت حرم الراجل العظيم ده.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
انا وعيلتى حكايات بسمهمنذ أسبوع واحد
-
حمايا حكايات زهرة حصريمنذ أسبوع واحد
-
بعد أربع بناتمنذ أسبوع واحد
-
رجل عجوزمنذ أسبوع واحد








