روايات وقصص

حمـاتي وأنا وبناتي التلاتة حكـايات مني السيد

حماتي طلبت منا أن ننام بجوار الغسالة وقالت إن من لا تنجب ولداً ليس لها قيمة، لكن ما ألمني حقاً لم يكن كلامها بل سكوت زوجي، وتلك اللحظة كانت السبب في أنني جمعت ملابسي وخذت بناتي وقررت مغادرة البيت بلا رجعة.

 

مقالات ذات صلة

في إحدى الليالي، عندما فتح زوجي أحمد باب غرفة الغسالة وتفاجأ بي وبناتي الثلاث نائمات على الأرض، أمه لم تشعر بأي ذنب بل كانت تبدو مسرورة. ملك التي تبلغ من عشر سنوات كانت نائمة بجانبي، وجنى ذات السبع سنوات، أما تالا الصغيرة ذات الأربع سنوات فكانت تمسك بملابسي وهي نائمة.

كنا قد أعددنا فراشاً بسيطاً من مخدات وبعض الأغطية القديمة، وكانت الغسالة قريبة منا، وكلما أصدرت المواسير صوتاً كانت تالا تستيقظ مفزوعة. وقف أحمد عند الباب، ووجهه تغير من الاستغراب للصدمة. قال بصوت منخفض:
“ما هذا يا ندى؟ ماذا تفعلون هنا؟”
قبل أن أرد، دخلت حماتي الحاجة فوزية وراءه وقالت ببرود:
“الغرف كلها مليئة بالضيوف.”
نظر إليها أحمد باستغراب وقال:
“كيف؟ البيت فيه خمس غرف نوم!”
فأجابت بثقة:
“كلها بها أشخاص مهمون.”
قمت بهدوء كي لا أوقظ تالا وقلت:
“والدتك أعطت غرفتنا لابن خالتك كريم وأولاده.”
عقد أحمد حاجبيه وقال:
“لكن كريم لم يكن ينو المبيت.”
فردت الحاجة فوزية:
“غيّر رأيه وأولاده أولى بسرير محترم.”
بينما بناتي الثلاث لا. نظر أحمد حوله إلى الغسالة والأرضية التي ننام عليها وقال بعصبية:
“يا أمي، هل يجوز أن تنام زوجتي وبناتي بجانب الغسالة؟”
تجمدت ملامحها وقالت:
“هذا بيتي وأنا من أقرر.”
قال أحمد:
“هؤلاء ليسوا أي أحد، هن زوجتي وبناتي.”
ولأول مرة منذ سنوات شعرت أن هناك أملاً، وتذكرت أنه سيدافع عنا. طوال أحد عشر سنة من الزواج وأنا أتحمل تعليقات حماتي، وحين أنجبت ملك وجنى وتالا كانت تعبر عن ضيقها لعدم إنجاب ولد، وكان أحمد يقول لي دائماً أن أتغاضى لأنها والدته. لكن في هذه الليلة، قالت حماتي كلماتها الجارحة، ووجه أحمد اصفرّ من الصدمة.

المكان سكت، وفجأة تحركت جنى التي استيقظت وسمعت كل كلمة. نظرت لجدتها بوجع، ثم سألت أبوها بصوت بريء:
“يعني يا بابا نحن أيضاً ليس لنا قيمة؟”

الكلمة نزلت على قلبي كالمسكينة، وابتعد أحمد بعينيه متفادياً النظر إلينا، ولم ينطق بكلمة واحدة. أمه انصرفت ببرود قائلة لأحمد أن يترك هذه الدراما ويكمل عشائه مع الضيوف. وقفت وأنا لا أصدق نفسي، وطلبت من أحمد أن يرد على ابنته، لكنه طلب مني بقلة حيلة أن ننتظر للصباح وألا نفتعل المشاكل أمام الأقارب.

رفضت هذا الوضع، وبدأت أجمع ملابس البنات بهدوء وأنا مستعدة للرحيل. تركت رسالة قصيرة لأحمد على الطاولة تخبره أنني أخذت البنات ورحلت لأنني تجاوزت مرحلة التحمل، وخرجت من البيت في منتصف الليل متوجهة إلى شقة أخي الصغير في منطقة شعبية.

وصلنا الشقة وكانت بسيطة وقديمة، لكنها كانت المكان الآمن الذي يحمينا. استقبلني أخي شريف بحنان ودعم كامل، ورفض تماماً أن أعود لذات الموقف المهين. في اليوم التالي، حضر أحمد ووالدته إلى الشارع الذي نسكن فيه محاولين إعادتنا، لكنني وقفت في الشباك بكل ثبات وقلت بصوت واضح للجميع:
“أنا لم أهرب، أنا خرجت بكرامتي وبناتي معي، والبيت الذي لا يُقدر بناتي لم يعد مناسباً لنا أبداً.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى