Uncategorized

ماكينة الخياطه حكايات زهرة

يا جماعة، القصة دي حكاية تعيشوا وتشوفوا.. حكاية “سهام”، الست اللي كانت فاكرة إنها بتبني بيتها على أساس من الحب والستر، بس اكتشفت إنها كانت عايشة في كابوس، وأسوار بيتها كانت من رمال.

الجزء الأول: بداية الحلم.. والنهاية المرة

مقالات ذات صلة

من تسع سنين، كنت واقفة قدام مراية دولابي الصغير، بظبط الطرحة البيضا والضحكة مش سيعاني. كنت بنت غلبانة زي أي بنت، كل حلمها ستر وبيت يلمها. لما دخلت شقتنا اللي في الحتة الشعبية دي، على قد حالها، ضيقة وجدرانها مقشرة، بس كنت شايفة الجدران دي قصور. كنت بقول الحمد لله، جالي راجل هيحميني وهيصونني.

بس الفرحة في بيوت الغلابة ساعات بتبقى زي النسمة، بتعدي وتختفي في ثانية وتصحينا على كابوس. مكملتش سنة أولى جواز، وبدأت أشوف وش تاني خالص. عيون حمرا، كلام متلخبط، سهر بالأيام، وفلوس بتطير ومش عارفة بتروح فين. واجهته، عيطت، اتخانقت، لحد ما عرفت الحقيقة المرة.. جوزي بيتعاطى “سموم”. بيشرب حياتنا وحياة عياله بفلوس شقانا.

الدنيا اسودت في عيني، وملاقيتش حل غير إني ألم هدومي وأروح لبيت أهلي، كنت فاكرة إنهم ضهري وسندي اللي هيرجعوا لي حقي. بس الصدمة كانت منهم هما: “أنتِ مالك وماله؟ ما يشرب، هو مقصر معاكي في لقمة ولا هدوم؟ طالما مكفيكي اقفلي بقك واقعدي في بيتك!”.

رجعت ودموعي على خدي، ورضيت بالهم، وقلت يمكن يتغير لما يخلف ويشوف حتة منه. بس الهم مبيتغيرش، الهم بيكبر. خلفنا العيل الأول، والتاني، والتالت.. ورا بعض. ومصاريف الولادة واللبن والحفاضات بدأت تقطم الظهر. وهو؟ بدل ما يفوق، السم كان بياكله أكتر وأكتر. الحالة بقت ضنك، والقرش اللي كان بيكفي مبقاش يجيب عيش حاف. وكل ما أفتح بقي وأقوله وفر قرش السم اللي بتشربه عشان عيالك، كان الرد بيبقى علقة سخنة تنزل على جسمي، ووشي يزرق، وعيالي يصرخوا حواليا.

الجزء الثاني: الماكينة.. طوق النجاة

لما لقيت الدنيا بتضلم خالص، وعيالي مش لاقين اللقمه، قلت ماليش غير دراعي. كان الحيل والحل الوحيد اللي باقيلى من ريحة أمي هو خاتم دهب صغير. قلعته من صباعي وبكيته كأني ببيع حتة من عمري، ونزلت بعته. اشتريت بيه ماكينة خياطة مستعملة.

الماكينة دي مكنتش مجرد حديد، دي كانت طوق النجاة بتاعي. كنت بقعد عليها بالساعات، ظهري يتوجع وعيني تزغلل من النور الضعيف، بس كله بيهون لما كنت أسمع صوت تكتكتها وهي بتخيط القماش. الصوت ده كان بالنسبالي هو لحن الأمل. الحمد لله، ربنا فتحها عليا وبقى يجيلي زباين من الحتة. وبدأت أعمل لعيالي اللي ابوهم مكنش قادر يعمله.

ابني الصغير اللي كان بيمشي بجزمة مقطوعة، جبتله جزمة جديدة كان طاير بيها. ابني الكبير اللي بنطلونه كان مليان رقع، فصلتله بنطلون جديد يرفع راسه بيه. بنتي الحنينة اللي كانت علطول تعبانة، حوشت من عرق الماكينة قرش على قرش لحد ما عملتلها العملية وارتاحت.

كنت بحس بانتصار مع كل غرزة بتمشي في القماش. بس الحلو مبيكملش في بيت ملوش أساس. كل ما كنت أشتغل وأجيب قرش، كان هو يتكاسل أكتر عن الشغل. كتر الشرب هد حيله ونشف دمه وعماه. بدل ما يشيل معايا، بقى يدور على أي قرش أجمعه من الزباين عشان ياخده مني عافية ويجري بيه على الكيف بتاعه.

الجزء الثالث: لحظة الكسر

وفي يوم مش هنسى تفاصيله طول ما أنا عايشة.. نزلت السوق الصبح، سبت العيال نايمين ورحت أشتري توب قماش وأدوات خياطة، كنت واخدة شغل لعروسة وكنت فرحانة إن القرشين بتوعها هيسندونا الشتا ده. رجعت البيت، فتحت الباب ولقيت الهدوء غريب. دخلت أوضة الشغل.. عيني راحت على التربيزة.. الدنيا لفت بيا والشنط وقعت من إيدي. التربيزة فاضية! الماكينة مش موجودة!

جريت عليه زي المچنونة وهو قاعد على الكنبة عينه مزغلله ومرخي.. صړخت فيه: “فين الماكينة يا محمود؟ فين الماكينة اللي بناكل منها لقمة عيش؟”. رد عليا ببرود يقهر الحجر: “احتجت فلوسها.. بعتها.. وهبقى أجبلك غيرها، متعمليش ليلة”.

ليلة؟ بعت قوت عيالك عشان تتبسط؟ اتخانقت معاه بكل غل الدنيا اللي في قلبي، مسكته من هدومه وأنا بعيط وبتحسبن عليه، لكنه كالعادة، قام وزقني وضړبني قلم نزلني الأرض، وفضل يضرب فيا لحد ما جسمي كله بقى يوجعني. عيالي صحيوا على الصوت، جريوا عليا وحضنوني وهم بيصرخوا.

سكت.. سكت عشانهم زي العاده. مع إن الضعف عمره ما كان حل والسكوت عمره ما فادني بس برده سكت.. خدتهم في حضڼي ودخلت الأوضة، قفلت الباب علينا وقعدت أعيط في الضلمة وأنا مغلوبة على أمري. كنت ببص لدرعاتي اللي ۏجعاني وبقول يارب، أنا عملت إيه لكل ده؟ هأكلهم منين بكره؟ نمت ودموعي منشفتش، نمت وأنا حاسة بكسرة نفس مفيش أصعب منها.

الجزء الرابع: الحقيقة المرة

تاني يوم الصبح، صحينا على خبط مرعب زلزل جدران البيت. خبط وراه زعيق وصوت رجالة كتير بره الباب. قلبي انقبض، ورجلي مبقتش شيلاني. فتحت الباب.. وفجاه لقيت نفسي قدام ظابط ومعاه عساكر، وفي إيد واحد منهم.. الماكينة بتاعتي!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى