عام

رواية من الواقع

وفي اليوم الحادي والثلاثين بعد الطــ,لاق، ظهرت أمينة عند باب غـ,رفتي.
كانت ترتدي تنورة كحلية، وقميصًا أبيض، ودبوسًا قديمًا على صدرها.
كانت تمشي ببطء… لكن نظراتها كانت ثابتة.
قالت:
— أريدك أن ترافقيني إلى كاتب عدل.
سألتها بدهشة:
— اليوم؟
أجابت بهدوء أربكني:
— اليوم ستفهمين لماذا تركني حسام أرحل بهذه السهولة.
ذهبنا إلى مكتب كاتب عدل في وسط الرياض، داخل مبنى قديم تفوح منه رائحة الورق والخشب المعتّق.
وعندما دخلنا المكتب، كانت هناك حقيبة ملفات زرقاء موضوعة على الطاولة، مكتوب عليها:
“شركة الرفاعي للاستثمار والتجارة”.

الشركة نفسها التي كان حسام يصفها دائمًا بأنها أعظم إنجازاته.
الشركة التي كان يقول إنه بناها “من الصفر”.
فتح كاتب العدل الملف وقال:
— السيدة أمينة الرفاعي ما تزال تملك واحدًا وستين بالمئة من أسهم الشركة.
شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إلى أمينة.
لكنها لم تبدُ متفاجئة.

أكمل الرجل حديثه:
— وبصفتها المالكة الكبرى، يحق لها سحب جميع صلاحيات الإدارة والتصرف الممنوحة لابنها، السيد حسام الرفاعي، ابتداءً من هذه اللحظة.
همستُ بدهشة:
— الشركة… ليست ملكًا لحسام؟
ابتسمت أمينة للمرة الأولى منذ شهور.
وقالت بهدوء:
— لم تكن ملكه بالكامل يومًا.
ثم تابعت:
— والد حسام هو من أسس الشركة. وخلال أزمة قديمة، سُجّلت أغلب الأسهم باسمي لحماية العائلة. وبعد وفاته، تركتُ حسام يدير كل شيء… لأنني ظننت أنه سيحافظ على تعب أبيه.
توقفت للحظة.

ثم قالت بصوت موجع:
— لكنه ظن أن صمتي ضعف.
مدّ كاتب العدل القلم نحوها.
وقال:
— بمجرد توقيعكِ هنا، سيفقد ابنك السيطرة الكاملة على الشركة قبل نهاية اليوم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما أمينة، فأمسكت القلم بثبات.
ثم نظرت إليّ وقالت:

— طليقكِ دفع تسعين ألف ريال ليتخلّص من زوجته… ومن المرأة الوحيدة التي كانت قادرة على إسقاطه.
ثم وقّعت.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وكان صوت القلم على الورق يشبه صوت أبواب تُغلق إلى الأبد.
وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة كاملة.
أنا لم أخرج من الطـ,لاق بلا شيء.

لقد خرجت ومعي المرأة الوحيدة التي تعرف كل الأسرار التي حاول حسام دفنها لسنوات.
لكن سحب الشركة منه…
لم يكن سوى البداية.
حتى ذلك اليوم كنت أنا أيضًا أعتقد أن شركة الرفاعي للاستثمار والتجارة ملكٌ كامل لحسام الرفاعي.
كان يكرر ذلك في كل مناسبة تقريبًا.
في العزائم.
وفي الاجتماعات.
وفي المقابلات المحلية.
وحتى على موائد العائلة.
كان يقول دائمًا بفخر متعالٍ

أنا من بنيت هذه الشركة بموهبتي وحدي.
لكن الحقيقة كانت أقل بريقًا بكثير.
الشركة أسسها والده، الحاجّ عبد الرحمن الرفاعي، رجل صارم لكنه مجتهد، بدأ حياته بثلاث شاحنات نقل وساحة صغيرة في المنطقة الصناعية شرق الرياض.
وفي فترة عصيبة كادت العائلة تخسر فيها كل شيء، جرى تسجيل معظم الأسهم باسم زوجته، أمينة الرفاعي، لحماية أملاك العائلة من الاڼهيار.
ثم بدأت العقود الكبيرة تظهر

.
المخازن.
خطوط النقل.
العملاء الكبار.
والأرباح الضخمة.
ثم ټوفي الحاج عبد الرحمن.
وبعد سنوات، حصل حسام على وكالة عامة تخوله إدارة الشركة والتصرف بأموالها.
لكن أمينة لم تسحب تلك الصلاحيات يومًا.
ليس لأنها لم تكن قادرة على ذلك
بل لأنها كانت لا تزال تريد أن تصدق أن ابنها يحمل شيئًا من ضمير أبيه.
وخلال الأسبوعين التاليين، بدأنا فتح الصناديق التي احتفظت بها أمينة بعيدًا عن الجميع لسنوات طويلة.
لم تكن مجرد ذكريات قديمة.
بل كانت أدلة كاملة.

السابق1 من 3
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى