عام

مراتي

وقفت بعيد، وسط الزحمة، ومستخبي ورا عمود إنارة في الشارع المقابل. كنت ببص من الإزاز الكبير بتاع القاعة.
وجوا.. شوفتها!
كانت واقفة زي الملكة. لابة فستان شيك جداً، ورافعة شعرها لفوق. البهاق كان انتشر في إيديها ورقبتها وحتت من وشها، بس الغريب.. إنها مكنتش حاطة أي مكياج يداريه! كانت سايبة بشرتها على طبيعتها، والبقع البيضا ممتزجة مع بشرتها وكأنها لوحة فنية مرسومة

ملامحها كانت بتشع ثقة وقوة، وضحكتها اللي كانت منورة المكان كله. الناس كانت بتلف حواليها، بيباركوا لها ويبصوا لها بإعجاب وانبهار مش بشكل المرض، بل بشخصيتها ونجاحها وفنها.
في اللحظة دي، فهمت الجملة اللي الدكتور قالها زمان وملحقتش استوعبها.. هيام فعلاً كانت لوحة فنية، بس أنا اللي كنت أعمى ومش شايف غير . هيام بمرضها كانت أجمل بمليون مرة مني وأنا بكامل صحتي وغروري.
وفجأة، وهي بتلف وب تضحك مع الناس، عيونها جت ناحية الإزاز.. وبصت في اتجاهي.
أنا اتجمدت في مكاني. بالرغم من الكاب والنضارة والضلمة اللي كنت واقف فيها، حسيت إنها عرفتني. نزلت نضارتي ببطء، وبصيت لها.. وشوفت نظرة عيونها.

مقالات ذات صلة

مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة هادية جداً.. نظرة شخص الوجع وساب الماضي وراه ومبقاش يفرق معاه. بصت للبقع اللي في وشي برحمة وشقفه، وهزت راسها بابتسامة خفيفة ومكسورة، ولفت ضهرها ورجعت تتكلم مع ضيوفها.
اللفة دي.. وظهرها اللي ادهولي، كان هو الإعلان الرسمي لنهاية أي أمل ليا في الحياة دي معاها.
رجعت بيتي وأنا بعيط، بس المرة دي مكنش عياط خوف من ، كان عياط ندم على الجوهرة اللي كانت في إيدي ورميتها في التراب عشان مظاهر كدابة.
دخلت الشقة، وشيلت الملايات اللي كانت مغطية المرايات كلها. وقفت قدام وشي المبرقش، وبصيت لنفسي بجرأة لأول مرة من شهور.

قولت لنفسي ده شكلك الجديد يا أحمد.. وده درسك اللي هتعيش بيه لحد ما . ربنا مبيظلمش حد، واللي
قلوب الناس بالظاهر، ربنا كبريائه بنفس .
من اليوم ده، قررت أخرج من ضلمتي. مش عشان أرجع زي زمان، لأ، عشان أتعلم أعيش حقيقتي الجديدة. نزلت شغلي، واجهت نظرات الناس كلها واستحملت أسئلتهم بقلب راضي صابر، وبقيت كل ما أبص لإيدي وللبقع اللي فيها، ببتسم وأقول سبحان المقتدر.. يمهل ولا يهمل. وعرفت متأخر جداً، إن الجمال الحقيقي عمره ما كان في لون البشرة ولا في مظهر الهدوم.. الجمال هو نظافة الروح، والرحمة اللي بنعامل بيها غيرنا لما الدنيا بتجور عليهم.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى