
سمعت جملة خالي كأن صاعقة نزلت على راسي، حسيت روحي بترجعلي بعد ما كنت شبه ميتة من القهرة والكسرة. بصيت للظرف الأحمر المقفول بختم غريب، ورفعت عيني لخالي حسين وأنا مش قادرة أنطق حرف واحد. صوته كان هادي لكن جواه نبرة ثقة مرعبة، نبرة راجل عارف هو بيعمل إيه كويس قوي.
مد إيده بالراحة وفتح الظرف، وطلع منه أوراق رسمية متوقعة ومختومة بختم الشهر العقاري، وعقد بيع نهائي وشامل، مش بس للشقة، ده للبيت كله بأرضه ودوره الثلاثة.
بلعت ريقي بصعوبة وسألته بصوت متهدج
إزاي يا خالي؟ محمود طول عمره بيقول إن أبويا كتبله كل حاجة قبل ما يتعب.. وإن البيت بتاعه هو ومراته!
خالي حسين ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية وغضب، وقال
محمود طول عمره غرور وسخافة، كان فاكر نفسه أذكى إنسان في الدنيا. أبوكي الله يرحمه كان قاعد معايا قبل وفاته بشهر كامل، وقالي بالحرف محمود بيطمع يا حسين، ومراته بتسوقه، وأنا مش هظلم بنتي ولا هسيب ابنها في الشارع. أبوكي كتب البيت كله باسمك إنتي.. باسمك إنتي يا نور، ومحمود ما هو إلا حارس على ورقة ملكية ملغية من تاريخ ما اتكتبت لأن الأصل كله والتوكيلات الحقيقية في إيدينا!
حسيت بقلبي بيدق بعنف.. يعني محمود اللي طردنا برموش عين باردة، ورمى هدومنا على السلم، ووافق مراته تذلنا.. طلع ولا يملك حتى الطوب اللي واقف عليه البيت؟ طلع هو اللي ساكن في ملكي بفضلي وبأمر أبويا؟
بس لحظة.. الخزنة!
افتكرت فجأة مفتاح الخزنة اللي محمود كان بيدور عليه بجنون قبل ما أنزل من البيت، وكان بيصرخ ويسألني فين الورق والمستندات المهمة اللي أبويا كان مخبيها فيها. محمود كان فاكر إن الخزنة فيها الدهب والفلوس بس، لكن مكنش يعرف إن المفتاح اللي معاه ملوش أي قيمة، وإن المفتاح الأصلي لسر البيت كله والخزنة الكبيرة.. كان في أمانة خالي حسين من سنين طويلة، راجل طيب بعيد عن المشاكل، لكنه بيمتلك مفتاح اللعبة كلها!
خالي حسين قام وقعد قدامي على الكرسي، وربت على إيدي بحنان وقال
دلوقتي جه دورنا يا بنتي. محمود ومراته عايشين في سراب، وفاكرين إنهم ملكوا الدنيا خلاص، بس اللعبة لسه في أولها. إنتي هترتاحي النهاردة وبكرة.. وبعد بكرة، أنا وأنتي وإنتِ مرفوعة الراس، هاندخل بيت أبوكي من الباب الكبير.. ومش هنسيبهم حتى ياخدوا نفسهم!
قبل ما أرد أو أستوعب الخطة اللي في دماغ خالي، سمعنا صوت خبط جامد ومرعب على باب الشقة! خبط عشوائي وعنيف بيخلي الباب كاد يتخلع من مكانه، وصوتمسموع من بره بيزعق باسمي بحدة
افتحي يا نور! إنتي فاكرة إنك هتهربي باللي سرقتيه؟ افتحي أححسن أكسر الباب على دماغك إنتي وابنك!
ده صوت.. محمود!
إزاي عرف مكاني بالسرعة دي؟ ومين اللي دله على بيت خالي حسين الهادي اللي ملوش في مشاكل الدنيا؟
بصيت لخالي بفزع، لكن
خالي حسين مكنش مرعوب خالص.. بالعكس، ابتسامة غريبة وهادية ظهرت على شفايفه، وقام وقف بكل ثقة، وهو بيقولي بهدوء تام وكأنه كان منتظر اللحظة دي بالظبط
خله يكسر براحته.. أهلاً بسي محمود في بيتك الجديد!
خالي حسين مبانش عليه أي خوف ولا ارتباك، بالعكس، مشي بهدوء وثبات لحد ما وقف قدام باب الشقة، ومد إيده فتح اللوك والترباس، وفتح الباب على مصراعيه مرة واحدة.
بره كان محمود واقف وشكله يهد الحيط من العصبية والغضب، وعينيه طايرة في راسه، ووراه مراته سماح وراجل تاني غريب أول مرة أشوفه، وشكله كده سمسار أو محامي تعبان جابوه عشان يخلصوا بيه مصلحة سريعة. محمود أول ما شاف خالي حسين واقف في وشك، بلع ريقه وسكت ثانية واحدة من هيبة خالي، بس رجع فتعصب أكتر وزعق بصوت عالي ملا الشقة
أنت! إنت خبيت البت دي فين؟ وهات المفاتيح والورق اللي سرقوه من الخزنة فوراً، أقسم بالله لو مخرجوش دلوقتي لأكون مبهدلك ومطلع سمسمتك على عينيكم كلكم!
خالي حسين متهزاش، وفضل واقف حاطط إيديه في جيبه بكل برود، وبصله بنظرة حادة خلت محمود يرجع خطوة لورا من غير ما يحس. وقال خالي بصوت هادي وواضح زي الصخر
توطي صوتك وأنت واقف في بيتي يا محمود.. وتاني حاجة، مفيش حد سرق حاجة، لأن اللي بيتاخد بيرجع لأصحابه.. وأصحاب البيت ده قاعدين جوه مرتاحين، مش مطرودين في الشارع زي ما أنت عملت!
سماح مرات محمود متقدرش تسكت، دخلت بلسانها السليط وقالت بسخرية وقحة
يا سلام! أصحاب البيت كمان؟! البيت ده بتاع جوزي وبتاعنا غصب عن الكل، والبت أختك دي شطبت وخلصت، جات تجري على خالها العجوز عشان تطمع في ورث أخوها! يلا يا فقرية هاتي شنطتك وارجعي اعدي على السطوح فوق، إحنا محتاجين الشقة لناس تانية!
هنا.. حسيت إن روحي انتفضت. مبقتش قادرة أسكت ولا أخاف. سيبت يوسف نايم جوه في الأمان، وطلعت وقفت جنب خالي حسين، وبصيت في عين محمود وسماح وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني
فقرية؟! أنا بقيت فقرية يا محمود؟ ده أنت طلعت ولا حاجة.. ولا تملك حتى الطوب اللي واقف عليه!
محمود اتجنن، وصرخ فيا
انتي جنيتي يا بت؟! ده أنا أطردك وأرميكي في السجن وألفقلك قضية سرقة تخليكي تندمي!
طلع خالي حسين الظرف الأحمر من جيبه بهدوء شديد، وطلع منه عقد البيع الأصلي والتوكيلات الشاملة، ورفعها قدام عيون محمود وقال بنبرة قاطعة
اقرأ يا شاطر.. اقرأ اسم مين مكتوب بختم الشهر العقاري ونيابة عن مين! أبوك الله يرحمه كتب البيت كله باسم نور بنته، ووثقه عندي وعند الحكومة قبل ما يموت بأسبوع.. يعني أنت ولا كنت تطول شقة ولا دور، أنت مجرد أراجوز ساكن في ملك أختك بإذنها وبأمر أبوك!
محمود وسماح اتجمدوا في مكانهم.. عيونهم طلعت لبرا كأنهم شافوا عفريت. محمود خطف الورق من إيد خالي وبص فيه بعينين مزغللة، وقعد يقرأ ويحاول يكذب عينه
لأ.. لأ مستحيل! أبويا.. أبويا ميعملش كده! الورق ده ضرب.. كدب!
الراجل الغريب اللي كان معاه واللي طلع محامي يعرفوه بص في الأوراق وتأمل الأختام كويس، وبعدين بص لمحمود وقال بأسف
للأسف يا بشمهندس محمود.. الأختام حقيقية مئة بالمئة، والعقد موثق رسمي وساري، البت.. قصدي المدام نور هي المالكة الوحيدة للبيت كله قانوناً، وأنت كده تعتبر قاعد بصفة غير قانونية وممكن تطلع من هنا بطرد قضائي فوري!
سماح صرخت ووقعت على الكرسي من الصدمة، وقعدت تلطم وتولول
يعني ضاع البيت؟! يعني طردنا أختك وهي طلعت صاحبة الملك وبقينا على الحديدة؟!
محمود بصلي نظرة رجاء وانكسار، نظرة عمر ما كنت أتخيل إني أشوفها في عينه يوم ما طردني أنا وابني اليتيم في عز الحر. قرب مني وخطى خطوات مهزوزة وقال بصوت مكسور
يا نور.. يا اختي.. دي عيشة بينا. . سامحيني، الشيطان ضحك عليا ومراتي.. سماح هي اللي سخنتني.. متعمليش فينا كده، هتيجي ترمينا في الشارع؟
بصيت له نظرة طويلة.. افتكرت دمعة ابني يوسف وهو جعان، وافتكرت قهرتي وأنا شايلة شنطتي وواقفة على السلم، وافتكرت بروده وهو بيقفل الباب في وشي. بس في نفس الوقت، حسيت بقلبي الابيض اللي مبيرضاش بالظلم، وقلت له بهدوء وثبات
أنا مش زيك يا محمود.. أنا عمري ما هرمي حد في الشارع، ولا هعامل ابنك بالطريقة اللي عملت بيها ابني.. البيت ده بتاعي، والشرع والقانون بيقولوا كده، بس أنا هأجر ليك الشقة اللي كنت ساكن فيها بعقد رسمي وبإيجار رمزي، عشان تتربا وتعرف إن الظلم مبيعديش، وإن ربنا بيمهل بس مبيملش.
محمود نزل دمعة من عينه بندم حقيقي، وسماح سكتت تماماً وبقت تبص للأرض بخزي وعار. خالي حسين ابتسم ابتسامة فخر وباس راسي وقال
طيبة قلبك هي اللي هتكسبك يا بنتي دائماً.
بعد أيام.. رجعنا لبيتنا أنا وابني يوسف، دخلت من الباب الكبير مرفوعة الراس، ومعايا سند ظهر وراجل عظيم زي خالي حسين. محمود التزم ودخل في حاله، وبقى يحترم ابني يوسف ويعامله كأنه أخوه الصغير مش ابن أخته، وعرفت إن الدنيا دار ممر، وإن حق المظلوم عمره ما بيضيع أبداً مهما طال الزمان.
-
انا وعيلتى حكايات بسمهمنذ أسبوع واحد
-
حمايا حكايات زهرة حصريمنذ أسبوع واحد
-
بعد أربع بناتمنذ أسبوع واحد
-
رجل عجوزمنذ أسبوع واحد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








