Uncategorized

الجـ,ـرّاحة المُقَنَّعة

عمـري ما قلـت لحماتـي إنـي أشطـر جرّاحـة قلـب فـي البلـد. سيبتـها علـى راحتـها، وهـي مقتنعـة إنـي مجـرد عامـلة نضافـة فـي مستشفى. كانت دايمًا تقولها قدام الناس وهي بتضحك: “ابني اتجوز واحدة بسيطة… بتكنس في المستشفى. أهو ثواب وخير.”

ومش بس كده… كانت ترفض ألمس الأكل، وتبعد الصينية من إيدي كأني مرض معدي. “إنتِ مليانة ميكـ,ـروبات”، كانت تقولها وهي مكشرة، وأنا ساكتة… مش ضعف، لا… صبر.

مقالات ذات صلة

الحقيقة إن كريم، جوزي، كان عارف شغلي الحقيقي في الأول. قلت له من أول يوم في الخطوبة: “أنا دكتورة جراحة قلب، وشغلي مهم جدًا بالنسبي ليا.” بص لي وقتها وقال: “طبعًا يا حبيبتي، أنا فخور بيكِ.” لكن الكلام ده ما وصلش لأمه أبدًا. ولما حاولت أفهم ليه، لقيته بيتحجج: “أمي تقليدية، هتتعقد لو عرفت إن مراتي أنجح مني. سيبيها تفتكر إنك موظفة بسيطة، أحسن.”

وأنا، في لحظة ضعف، أو يمكن في لحظة حب أعمى، وافقت.

كنت بصحى الفجر، ألبس البالطو الأبيض، أمسك شنطة الأدوات الجراحية، وأطلع من البيت بهدوء. كنت بقول لحماتي إني رايحة “شغل النضافة الصبحية”. وهي كانت بتبصلي باستعلاء، وتقول: “ربنا يعينك. الشغل ده متعب، بس إنتِ معندكيش غيره.”

طب تعرفوا كنت بعمل إيه في الوقت ده؟

كنت بدخل غرفة العمليات، بشد شعري تحت الكاب الأخضر، ألبس الجاون المعقم، وأمسك المشرط بإيد ثابتة. كنت بشق صدور الناس، بوقف نـ,ـزيف، بصلح صمامات، وأنقذ أرواح. كنت بطلع من العملية بعد ست ساعات ولا سبعة، متعبة، لكن مبسوطة. مبسوطة إني خلّيت قلب واحد يدق تاني.

وبعدين أرجع البيت، ألاقي حماتي مستنياني عشان تقول لصحباتها وهي بتضحك: “دي جات دلوقتي من المستشفى. شكلها كانت بتنضف عنابر كتير.”

وكنت بضحك معاها، رغم الوجع اللي جوايا.

في يوم من الأيام، قبل الحـ,ـادثة بشهر، حصلت موقف ما نسيتوش.

كانت حماتي عاملة عزومة كبيرة، وجابت ستات العيلة كلها. أنا كنت في المطبخ، بحضّر الشاي والقهوة، لما سمعتها بتحكي بصوت عالي في الصالون.

“أصل يا بنات، أنا كنت نفسي ابني يتجوز دكتورة أو مهندسة، حد محترم يعني. بس هو أصرّ على البنت دي. قلت ماشي، يمكن تكون كويسة في بيتها. طلعت… عادية جدًا. شغلها في المستشفى، آه، بس مش زي ما حد يتخيل.”

واحدة من الستات سألتها: “يعني إيه مش زي ما حد يتخيل؟”

ضحكت حماتي ضحكة فيها استهزاء. “يعني بتكنس وتنضف. مش دكتورة ولا حاجة. بس الحمد لله، البنت مؤدبة وساكتة، وبتعمل اللي أنا عايزاه.”

الصينية كانت في إيدي، وكانت بترعش. حسيت بغضب بيغلي جوايا، لكني بلعت الموضوع، ودخلت بالصينية وأنا مبتسمة.

“اتفضلوا يا تيتات.”

واحدة منهم بصتلي بشفقة، وقالت: “تعبتي عليكِ يا بنتي. ربنا يعينك.”

ردّيت بهدوء: “الحمد لله، أنا مبسوطة بشغلي.”

حماتي قالت بسخرية: “أيوه، هي بتحب شغلها أوي. مش كده يا ليلى؟”

بصيتلها، وقلت بنبرة هادية لكن فيها حاجة مختلفة: “أيوه يا حاجة فاطمة. أنا فعلًا بحب شغلي جدًا. بحس إني بعمل حاجة مفيدة.”

ما فهمتش المعنى الحقيقي للكلام. وأنا خرجت من الصالون وأنا حاسة بمرارة.

الليلة دي، كريم رجع من الشغل متأخر، ولقاني قاعدة في الأوضة بفكر.

“إنتِ مالك يا ليلى؟ حصل حاجة؟”

“كريم، لحد إمتى هفضل ساكتة؟”

قعد جنبي. “ساكتة على إيه؟”

“على أمك. على الإهانة. على إني كل يوم بتحقر قدام الناس.”

اتنهد. “يا حبيبتي، إنتِ عارفة أمي، هي كده. بس قلبها طيب.”

بصيتله باستغراب. “قلبها طيب؟ يا كريم، هي بتقول لكل الناس إني عاملة نضافة، وإنت عارف كويس إني دكتورة جراحة! ليه ما بتقولهاش الحقيقة؟”

“عشان مش عايز مشاكل. لو عرفت، هتتعقد، هتحس إني اخترت واحدة أحسن منها، وهتبدأ تعمل جو مش مريح.”

وقفت من مكاني. “يعني راحتها أهم من كرامتي؟”

سكت. والسكوت ده كان إجابة.

خرجت من الأوضة، ورحت أوضتي اللي كنت بذاكر فيها ملفات المرضى. قعدت على المكتب، فتحت ملف مريضة عندها ٥٨ سنة، حالتها حرجة، محتاجة عملية قلب مفتوح. ركزت في التفاصيل، في الأشعة، في التحاليل. ده العالم اللي كنت بحس فيه بقيمتي. العالم اللي كنت فيه “دكتورة ليلى”، مش “مرات كريم اللي بتكنس.”

وبعدها بأسابيع، جه يوم العزومة الكبيرة.

في يوم عزومة كبيرة، في بيت العيلة… ناس، ضحك، أطباق، وكلام فاضي… وحماتي قاعدة في الصدارة، بتوزع تعليقاتها السامة كعادتها. كانت بتحكي لواحدة من قرايبها: “أصل يا ختي، المراتي دلوقتي بقوا عايزين يطلعوا برّه يشتغلوا. أنا شايفة إن الست مكانها بيتها، بس ابني سابها تشتغل. الحمد لله الشغل بسيط، مش حاجة تشغلها عن بيتها.”

أنا كنت واقفة في ركن، بسمع، وبحاول أتمالك نفسي. بصيت لكريم، لقيته مبتسم، بيتكلم مع ابن عمه، كأن مفيش حاجة غلط بتحصل.

وفجأة… الكوباية وقعت من إيد حماتي. صوتها اتكسر قبل الزجاج… وشها شحب، نفسها اتقطع، وإيدها شدت على صدرها.

وقعت.

الصالون اتقلب فوضى. ناس قامت، ناس رجعت ورا، وناس واقفة تتفرج. الخوف مالي المكان، كأن المـ,ـوت ليه ريحة.

لحظة واحدة، كل حاجة وقفت في دماغي. صوت جوايا قال: “دي اللي كانت بتحقرك. دي اللي كانت بتهينك. ممكن تسيبيها.”

لكن صوت تاني، أقوى، صوت القسم اللي أقسمته يوم ما لبست البالطو الأبيض لأول مرة، قال: “إنتِ طبيبة. إنتِ بتنقذي أرواح. مش بتختاري مين يستاهل ومين لأ.”

أنا ما فكرتش… كنت على الأرض في ثانية.

“حد يكلم الإسعاف فورًا! اشتباه جـ,ـلطة قلبية حادة! هاتوا أي جهاز صدمات لو موجود! أي حد عنده أسبرين، دلوقتي!”

صوتي طلع ثابت، حاسم، كأني في غرفة العمليات. الصالة كلها سكتت. الستات اللي كانوا بيتريقوا عليّا قبلها بدقايق، بصولي باستغراب.

بدأت أعمل إنعاش قلبي. ضغطت على صدرها بإيقاع منتظم، عدّيت بصوت عالٍ: “واحد، اتنين، تلاتة…” كنت بحافظ على الضغط الصحيح، العمق الصحيح، السرعة الصحيحة. كل حاجة اتعلمتها في ٢٠ سنة طب، كانت شغالة أوتوماتيك.

“النبض ضعيف بس موجود! فين الإسعاف؟!”

كريم كان واقف مشلول، وشه شاحب، عينيه مفتوحة على الآخر.

الإسعاف وصلت بعد سبع دقايق – سبع دقايق كنت فيهم أنا الفرق بين الحياة والمـ,ـوت. المسعف أول ما شافني اتجمد: “دكتورة ليلى؟! حضرتِك هنا؟!”

ما بصتش له. “نقل فوري لمستشفى النور. اشتباه جلطة حادة في الشريان التاجي الأمامي. حضّروا قسم القلب. أنا ماسكة الحالة.”

“حاضر يا دكتورة!”

في مستشفى النور التخصصي، أول ما دخلنا، المستشفى كلها قامت على رجلها.

الدكتور شريف، مساعدي، كان واقف في الطوارئ. أول ما شافني قال: “دكتورة ليلى! الحالة إيه؟”

“ست، ٦٢ سنة، جلطة حادة. عملت لها CPR في الموقع لمدة سبع دقايق. النبض رجع بس ضعيف. محتاجة قسطرة فورية، ويمكن جراحة.”

“تمام. أنا هحضّر الفريق.”

بصيت لكريم اللي كان ماشي ورايا زي المـ,ـيت الحي. “كريم، إنت تعرف تملا الأوراق؟”

بص لي بذهول. “إنتِ… إنتِ فعلًا دكتورة.”

“مش وقته دلوقتي. روح املا الأوراق.”

في الطوارئ، الحاجة فاطمة فتحت عينيها بالعافية.

كانت تحت تأثير المسكنات، لكن واعية بشكل جزئي. أول ما شافتني وأنا بمسك الملف وبراجع الأشعة، صرخت بصوت مبحوح:

“ابعدوها عني! دي مش دكتورة! دي بتاعة نضافة! هتمـ,ـوتني!”

الممرضات بصوا لبعض بقلق. أنا بصيت للحاجة فاطمة بنظرة هادية، باردة، مفيهاش شـ,ـماتة ولا غضـ,ـب.

“يا حاجة فاطمة، إنتِ دلوقتي عندك جلطة في الشريان التاجي الأمامي النازل. لو فضلتِ تتكلمي وتتحركي، الجلطة هتكبر والقلب هيقف. ساعتها مش هينفع أنقذك. فاختاري: يا تسكتي وتسيبيني أشتغل، يا تفضلي تتكلمي وتمـ,ـوتي. القرار ليكِ.”

خافت. سكتت فعلًا.

بصيت للفريق الطبي. “جهزوا غرفة القسطرة. هعمل تصوير للشرايين، ولو لقينا انسداد كامل، هندخل جـ,ـراحة مفتوحة فورًا.”

القسطرة أظهرت الأسوأ.

الشريان التاجي الأمامي كان مسدود بنسبة ٩٥٪، والشريان الأيمن فيه تضيق خطير. الصمام التاجي كمان كان متهالك. الحالة محتاجة تدخل جراحي فوري.

رجعت لكريم في صالة الانتظار. كان قاعد ودماغه في إيده، وحواليه العيلة كلها.

“كريم.”

قام بسرعة. “إيه يا ليلى… يعني يا دكتورة… أمي عاملة إيه؟”

“حالتها حرجة. محتاجة عملية قلب مفتوح دلوقتي. هنعمل ترقيع للشرايين التاجية وتصليح للصمام التاجي. العـ,ـملية معقدة، ونسبة النجاح حوالي ٧٥٪ في حالتها.”

أخوه وليد وقف. “ونسبة الـ ٢٥٪ التانية؟”

بصيتله بصدق. “يا وليد، أنا مش هكدب عليكوا. في احتمال إنها ما تقومش من العملية. لكن من غير العمـ,ـلية، فرصتها صفر. هتمـ,ـوت في خلال ساعات.”

حماها، أبو كريم، كان قاعد على كرسي، عينيه دامعة. بص لي وقال: “دكتورة… ربنا يباركلك. إعملي اللي تقدري عليه.”

“إن شاء الله.”

باب العـ,ـمليات اتقفل. نور أبيض قاسي نزل على جسم الحاجة فاطمة.

لبست الجاون المعقم، الجوانتيات، شدّيت الكاب على راسي. وقفت قدام الطاولة، والمشرط في إيدي.

“جاهزين؟”

الفريق كله رد: “جاهزين يا دكتورة.”

“يلا بينا.”

قطعت. فتحت القفص الصدري بدقة. القلب كان قدامي، بيدق بضعف، بيحاول يعيش. شفت الشريان المسدود، شفت الصمام المتهالك.

وساعتها، لحظة واحدة، فكرت.

ده القلب اللي كان في صدر الست اللي حقرتني. الست اللي قالت عليّا “جرثومة”. الست اللي رفضت تاكل من إيدي. دلوقتي، حياتها كلها معلقة في إيدي دي. في الأصابع دي اللي هي كانت شايفاها “مليانة ميـ,ـكروبات.”

لكن أنا مش زيها.

أنا طبيبة.

“دكتور شريف، استعد للتطعيم. هناخد وريد من الساق ونستخدمه في الترقيع.”

“حاضر يا دكتورة.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى