
بنت صغيرة رجعت البيت وهي بتوشوش لمامتها: “اللعبة اللي بابا لعبها معجبتنيش”.. وبعدها الأم طلبت الشرطة قبل ما باب الشقة حتى يتقفل.
صوت المفتاح وهو بيلف في القالون كان هادي جداً.. يا دوب مسموع. بس بعدها، البنت كانت واقفة في الطرقة، لسه مقلعتش جزمتها حتى. شنطة المدرسة ملووحة على كتف واحد، وسوستة الجاكيت مقفولة لحد دقنها.
-
اختي التوأممنذ 3 أيام
-
بابا حط حاجه في الشاي لماما حكايات نور محمدمنذ أسبوعين
-
حماتي كل ما اطبخمنذ أسبوعين
-
اخويا عنده متلازمة داونمنذ أسبوعين
وفي إيدها أرنب قماش قديم، ودنه مقطوعة شوية، كانت بتلويها بين صوابعها بتوتر.
كريمة — الأم — حست إن فيه حاجة غلط قبل ما حتى تنطق بكلمة. الموضوع مكنش مجرد وقفة البنت، كان السكوت اللي هي فيه. سكوت زيادة عن اللزوم.. هدوء مش مريح، وكأنها في حالة دفاع عن النفس مش حالة طمأنينة.
“يا حبيبتي،” كريمة قالتها بصوت حنين وحذر، زي اللي بيقرب من عصفور مجروح. “عملتي إيه عند باباكي؟”
البنت مردتش. كانت باصة في الأرض وكأنها مستنية الأرض هي اللي تقولها تعمل إيه، وفضلت تلوي في ودن الأرنب.. مرة.. التانية.. وكأن اللعبة دي هي الحاجة الوحيدة اللي ماسكاها ومخليها متنهارش.
كريمة نزلت لمستواها وقعدت على ركبها قدامها.
“ليلى؟”
ليلى بلعت ريقها بصعوبة. وشها مكنش عليه أي تعبير، بس شفايفها كانت بترعش رعشة خفيفة أوي، زي شرخ صغير بيحاول ميبانش في حيطة.
وبعدين قالتها..
“لعبة بابا معجبتنيش.”
كريمة جسمها تلج في لحظة، رعشة حقيقية مشيت في عروقها.
الأطفال عمرهم ما بيوصفوا لعبة حلوة بالطريقة دي. اللعبة يعني ضحك، يعني “شوفي يا ماما عملت إيه”، يعني حكاوي كتير.
اللي ليلى قالته ده مكنش حكاية.. ده كان إنذار خطر.
“إيه اللعبة دي يا حبيبتي؟” كريمة سألتها بصوت خافت، بتحاول تتماسك.
ليلى سكتت تاني. بصت لأمها بعيون واسعة، مليانة حاجة غريبة.. مش خوف بالظبط، حاجة أعمق، حاجة زي الخجل الممزوج بالارتباك.
“بابا قال إنها لعبة سر.. قالي متقوليش لحد.”
القلب بتاع كريمة وقف. الدنيا كلها وقفت.
“سر؟” كريمة حاولت تبان هادية، بس صوتها كان بيترعش. “يا حبيبتي، أنا مش حد.. أنا ماما. ممكن تقوليلي؟”
ليلى هزت راسها بالنفي، بس مش بقناعة، بحيرة. كانت عايزة تقول، بس في نفس الوقت خايفة تقول.
“هو قالي لو قلت حيزعل مني.”
كريمة مسكت إيد بنتها بحنية، ضمتها لصدرها، حضنتها بكل قوتها.
“يا قلب ماما.. أي حاجة تضايقك، لازم تقوليلي. مفيش حد يزعل منك لو قلتي الحقيقة. أنا هنا عشان أحميكي.”
ليلى اتنهدت نفس طويل، وبعدين.. قالت.
“كان قاعدني في حضنه.. وقالي نلعب لعبة اللمس. قالي إن الكبار بيلعبوها، وإن أنا كبرت دلوقتي وأقدر ألعبها. بس..”
صوتها اتقطع.
“بس إيه يا حبيبتي؟”
“بس لما لمسني.. حسيت إني مش عايزة. قلتله مش عايزة.. بس هو قالي إنها لسه ماخلصتش، وإن لازم أكمل عشان أبقى بنت شاطرة.”
العالم كله اتقلب على كريمة. الأرض راحت من تحت رجليها. صوتها طلع بالعافية:
“لمسك فين يا ليلى؟”
البنت سكتت، باصت لأرنبها، ودموعها بدأت تنزل على خدها الصغير.
“في مكان.. مكان قالي إنه سر بتاعي.. ومحدش المفروض يشوفه غيري.”
كريمة طلعت تليفونها بإيد مرتعشة.
قبل ما تتصل بالشرطة، اتصلت بأختها منال. صوتها كان متقطع، والكلام كان بيطلع منها زي شخص بيغرق وبيطلب نجدة.
“منال.. تعالي دلوقتي.. ليلى.. هو.. هو عمل..”
الصوت اتقطع تماماً. منال فهمت من نبرة صوتها إن فيه كارثة، وقالتلها بحزم:
“أنا جاية دلوقتي. اتصلي بالشرطة حالاً. متسيبيش الموضوع يعدي.”
كريمة أقفلت، وبعدها اتصلت بالشرطة. صوتها كان متماسك بالعافية، بس جواها كانت بتتحطم لقطع صغيرة.
“عايزة أبلغ عن تحرش بطفلة.. من والدها.”
الكلمة طلعت من بقها زي سم. “من والدها.”
الراجل اللي كانت بتحبه. الراجل اللي اتجوزته. الراجل اللي ولدت منه. الراجل اللي كانت بتثق فيه وسايباله بنتها كل أسبوع في الزيارة.
الشرطة وصلت في خلال نص ساعة. معاهم أخصائية نفسية للأطفال، ست لطيفة اسمها دكتورة نور، قعدت مع ليلى بهدوء شديد وحنية.
دكتورة نور كانت عندها خبرة سنين طويلة في التعامل مع الأطفال اللي اتعرضوا لصدمات. كانت عارفة إزاي تسأل من غير ما تخوف، إزاي تخلي الطفل يحس بالأمان.
قعدت مع ليلى على السجادة، جابت ألوان وورق، وقالتلها بابتسامة دافية:
“يا ليلى، أنا نور. ممكن نرسم شوية مع بعض؟”
ليلى هزت راسها بتردد. مسكت قلم تلوين أزرق، وبدأت ترسم بيت صغير، وشمس، وشجرة.
“رسمك جميل قوي يا ليلى. تحبي تحكيلي عن اللعبة اللي لعبتيها مع بابا؟”
ليلى وقفت عن الرسم. صوابعها الصغيرة مسكت القلم بقوة.
“هو.. هو قال إنها لعبة سر.”
“أنا عارفة يا حبيبتي. بس الأسرار اللي بتخليكي تحسي بحاجة وحشة، دي مش أسرار حلوة. دي أسرار لازم نقولها لحد كبير يقدر يساعدنا.”
ليلى بصتلها، وبعدين ببطء شديد، بدأت تحكي. كل كلمة كانت بتطلع منها وكأنها بتشيل حمل تقيل.
كريمة كانت واقفة برة الأوضة، سامعة صوت بنتها وهي بتحكي تاني، بس المرة دي بالتفصيل. كل كلمة كانت زي طعنة سكينة في قلبها.
منال كانت واقفة جنبها، ماسكة إيدها، بتحاول تديها قوة. بس هي كمان كانت بتعيط في صمت.
لما خلصوا، دكتورة نور طلعت وقالت بهدوء ومهنية:
“البنت محتاجة فحص طبي فوري. وهنحتاج نعمل جلسات علاج نفسي مكثفة في الفترة الجاية. بس الحمد لله إنها قالت بدري.”
الظابط، راجل في الأربعينات من عمره، أب لبنتين، بص لكريمة بتعاطف حقيقي وقال:
“هنروح نستدعيه دلوقتي. وهنعمل كل الإجراءات القانونية المطلوبة. أنتي عملتي اللي عليكي، وده أهم حاجة.”
كريمة هزت راسها، بس صوتها مطلعش. كانت حاسة إن لو اتكلمت هتنهار.
الأيام اللي بعد كده كانت جحيم.
الفحوصات الطبية أكدت إن فيه تحرش حصل، لكن لسه الموضوع ماوصلش لاعتداء كامل. ليلى كانت محظوظة — لو ينفع نقول محظوظة على طفلة اتعرضت لحاجة زي دي — إنها قالت بدري.
كريمة قضت الأسبوع الأول في حالة صدمة كاملة. كانت بتصحى من النوم فجأة، قلبها بيدق بسرعة، وصورة بنتها وهي بتقول “لعبة بابا معجبتنيش” مش بتسيبها.
كانت بتلوم نفسها. إزاي ماحستش؟ إزاي سابت بنتها تروح عنده لوحدها؟ إزاي وثقت فيه؟
بس دكتورة نور قعدت معاها جلسة خاصة، وقالتلها بحزم:
“أنتي معملتيش حاجة غلط. هو اللي عمل الجريمة. وأنتي لما بنتك قالتلك، صدقتيها وحميتيها. ده اللي يهم دلوقتي.”
الكلام ده ساعد كريمة شوية، بس الشعور بالذنب فضل موجود لفترة طويلة.
في قسم الشرطة.
لما الظباط راحوا يستدعوا الأب، كان قاعد في شقته، عادي، كأن مفيش حاجة حصلت. لما شاف الشرطة، حاول يبان متفاجئ.
“فيه إيه؟ حصل حاجة؟”
“عندنا بلاغ ضدك بتهمة التحرش بطفلة قاصر.. بنتك.”
وشه اتغير. حاول يضحك ضحكة متصنعة.
“إيه الكلام الفارغ ده؟ مين اللي قال كده؟ أكيد مراتي السابقة عايزة تلفقلي قضية عشان تاخد حضانة البنت.”
“البلاغ من البنت نفسها. واعترافها اتسجل بحضور أخصائية نفسية.”
سكت. الابتسامة المزيفة اختفت.
“أنا.. أنا كنت بعلمها النظافة الشخصية. الموضوع اتفهم غلط.”
الظابط بص له بنظرة مليانة احتقار.
“الأطفال مبتكدبش في الحاجات دي. يلا معانا.”
في قاعة المحكمة.
بعد شهور من التحقيقات والجلسات، وصلت القضية للمحكمة.
القاضية كانت ست في الخمسينات من عمرها، عندها بنات وأحفاد، اسمها المستشارة سامية. كانت معروفة بحزمها وعدلها، وكان واضح من أول جلسة إنها مش هتتهاون في القضية دي.
المحامي بتاع الأب حاول يدافع عنه بكل الطرق. قال إن البنت صغيرة ومش فاهمة، إن الأم لقنتها الكلام، إن الموضوع كله مؤامرة.
بس لما طلبت القاضية تسمع شهادة ليلى بنفسها — في جلسة مغلقة، بحضور دكتورة نور بس — الموضوع بقى واضح تماماً.
ليلى قعدت على كرسي صغير قدام القاضية، ماسكة أرنبها القماش، وحكت بصوت هادي وواضح.
حكت ببراءة طفلة، لكن بتفاصيل محدش يقدر يخترعها. حكت عن الكلام اللي قاله، عن إحساسها وقتها، عن إنها قالتله “مش عايزة” وهو كمل.
القاضية سامية كانت بتسمع وعينيها دامعة. بعد ما ليلى خلصت، مسحت عينيها بسرعة، وقالتلها بحنان:
“أنتي بنت شجاعة قوي يا ليلى. وأنا فخورة بيكي.”
في الجلسة النهائية، القاضية سامية بصت للأب، اللي كان واقف قدامها، راسه نازل، وقالتله بصوت حازم وواضح:
“أنت خنت أقدس أمانة ممكن ربنا يديها لإنسان.. أمانة إنك تبقى أب. استغليت براءة طفلة، وحاولت تسرق طفولتها. الأطفال مبيكدبوش في الحاجات دي، والتفاصيل اللي بنتك قالتها مستحيل تكون اخترعتها.”
سكتت شوية، وبعدين أكملت:
“الحكم: عشر سنين سجن مع الشغل الشاق. ومنع نهائي من الاقتراب من المجني عليها أو أي طفل قاصر، مدى الحياة.”
الأب اتصدم. حاول يتكلم، بس الحراس شالوه بره القاعة.
كريمة، اللي كانت قاعدة في القاعة، حست إن حمل تقيل اترفع عن كتافها. مكانتش فرحانة بالمعنى الحرفي، لأن الألم كان لسه موجود. بس حست بالعدالة. حست إن بنتها اتحمت.
رحلة العلاج النفسي.








