Uncategorized

كل ما اروح بيت حمايا

.
​قفلت الموبايل.
دموعي مكانتش نازلة، لأن اللي جوايا كان أكبر من الدموع.
بصيت لأحمد اللي نايم بسلام.
النهاردة، الغيبوبة انتهت.
بدأت “حياتي” الحقيقية.
قمت من مكاني بهدوء، رجلي كانت بتترعش بس أعصابي بقت حديد. الموبايل في إيدي زي القنبلة الموقوتة، والبيانات اللي عليه هي اللي هتحرق مملكتهم اللي بنوها على جثتي.
​أحمد كان بيتقلب في نومه، بيحلم بأرباح صفقاته المشبوهة، ميعرفش إن كابوسه بدأ دلوقتي. دخلت أوضة المكتب، فتحت الخزنة اللي كنت عارفة مكانها بالصدفة، ولقيت فيها ملفات.. مصايب. أوراق بيع أراضي دولة، عقود تمليك لشركات وهمية، وكلها متزيلة ببصمة إيدي اللي خدوها وأنا في غيبوبة.
​صورت كل ورقة، كل مستند، كل دليل يدين “سيادة اللواء” وابنه. مكنتش بشتغل لوحدي، كنت ببعت النسخ دي على “سحابة” إلكترونية مش ممكن يتمسح منها حاجة، ومعاها رسالة مجدولة لمحامي كبير، لو مكنتش موجودة في مكان آمن الصبح، كل ده هيروح للنيابة والصحافة.
​رجعت الأوضة، أحمد صحي على صوت حركة، بص لي بنص عين:
“إنتي صاحية ليه يا نورهان؟ مش قولتلك نامي وارتاحي؟”
صوته كان لسه فيه أثر النوم، بحته “الحنية” المصطنعة اللي بتموّتني.
​بصيت له وابتسمت، ابتسامة باردة خليته يقعد في السرير بخوف غير مبرر:
“أنا ارتحت كفاية يا أحمد.. الفترة اللي فاتت كلها كنت نايمة، بس خلاص، مفعول الأكل بتاعكم ده راح.”
​قعد يتعدل، ملامحه اتغيرت: “قصدك إيه؟”
“قصدي إن المسرحية خلصت.”
​خرجت من البيت وأنا مش واخدة معايا غير شنطة صغيرة فيها حاجاتي الضرورية. ركبت تاكسي، ومع كل متر بيبعدني عن البيت، كنت بحس إني بتنفس لأول مرة من تلات سنين. مروحتش لأهلي عشان ميأذوهومش، روحت لشقة صغيرة كنت مأجراها باسم مستعار من فترة، احتياطي للزمن، وزي ما قلت، الزمن جيه.
​الصبح بدري، موبايلاتهم بدأت تضرب نار. مكالمات من مكتب المدير، من شركاء، من “سيادة اللواء” اللي أكيد اتجنن لما عرف إن النسخ الأصلية اختفت، وإن اللي في الخزنة صور بس.
​أحمد اتصل بيا ميت مرة. في المرة رقم مية وواحد، رديت.
“إنتي فين يا نورهان؟ إنتي مجنونة؟ إنتي متعرفيش إحنا مين؟”
صوته كان مزيج من التهديد والرجاء.
رديت عليه بكل هدوء: “عارفة كويس إنتو مين يا أحمد. إنتو شوية لصوص، بس مش أي لصوص.. إنتو لصوص أعمار.”
​”ارجعي يا نورهان، هنتفاهم، كل ده سوء تفاهم..”
“السوء تفاهم ده هتحله النيابة. أنا بعت كل حاجة، ومعايا تسجيلات تانية هتخلي أبوك “اللواء” يترقى لرتبة سجين.”
​قفلت الخط، ورميت الشريحة.
بعد أسبوع، مصر كلها كانت بتتكلم عن قضية “الاستيلاء على أموال الدولة”، وتصدر اسم “اللواء عادل” مانشيتات الجرايد. فيديوهات الكاميرا اللي زرعتها في المكتب كانت هي الدليل القاطع، لدرجة إنهم ملقوش ثغرة يهربوا منها.
​أنا دلوقتي في مكان بعيد، بدأت حياة جديدة، باسم جديد، وبحلم جديد. لسه أحياناً بحس بالخوف لما حد يقدملي أكل غريب، ولسه بتجيلى كوابيس عن الساعتين اللي كنت بنامهم، بس الفرق إن دلوقتي، أنا اللي صاحية.. ومحدش تاني يقدر يغيب وعيي، لا حمايا، ولا أي “لواء” في الدنيا.
​المعركة خلصت، وخرجت منها بقلب قاسي، بس حرة.. ودي كانت أغلى تمن دفعته.

3 من 3التالي
تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى