رفضوا ترقيتي في المصنع لأنهم قالوا إن وجهي لم يعد مناسبًا لاستقبال العملاء

الجزء الثاني ساد الصمت لثانيتين فقط ثم المصنع كله دفعة واحدة.انطلقت صفارات الإنذار من آخر الممر، وتوقفت خطوط التغليف تباعًا، بينما بدأت الشاشات الحمراء تومض فوق رؤوس العمال كأن داخل النظام نفسه. وفي المستودع، دوّى صوت أحد المشرفين وهو بفزع الشحنة توقفت! ركض الجميع في اتجاه المخازن.
العمال.
المهندسون.
قسم الجودة.
حتى الموظفون الذين كانوا قبل دقائق يضحكون في الكافتيريا خرجوا مذعورين يحملون أكواب القهوة بأيدٍ مرتجفة.
أما ريم
فوقفت للحظة في مكانها لا تفهم ما يحدث.
ثم قالت بتوتر
أعيدوا تشغيل النظام!
لكن أحد الفنيين صاح من آخر القاعة
النظام لا يستجيب!
وفي اللحظة نفسها
توقفت أجهزة قراءة البضائع بالكامل.
أصبح العامل يمرر الصندوق أمام الجهاز
فلا يظهر شيء.
مرة
واثنتين
وثلاثًا
ثم ظهرت رسالة حمراء كبيرة على الشاشة
الصلاحيات مرفوضة.
شحب وجه سامر فورًا.
اقترب من أحد الفنيين بعصبية
افتحوا المخزون يدويًا!
رد الشاب بتوتر
لا أستطيع يا باشمهندس كل شيء مرتبط بالحساب الرئيسي.
صرخ سامر
وأين مسؤول النظام؟!
ساد صمت قصير
ثم التفتت العيون كلها نحوي.
كنت لا أزال أجلس أمام الحاسوب القديم بهدوء غريب، بينما بطاقتي المعلقة على صدري منذ اثنين وعشرين عامًا.
وضعتها فوق الطاولة ببطء.
ثم قلت دون أن أنظر إلى أحد
لم أعد أعمل هنا.
اقترب سامر مني بسرعة حتى كدت أشم رائحة غضبه.
أعيدي تشغيله حالًا!
رفعت عيني إليه أخيرًا.
ولأول مرة رأيته خائفًا.
ليس غاضبًا.
خائفًا.
قلت بهدوء
أنا لم أُعطّل شيئًا.
ثم نظرت حولي إلى الشاشات المطفأة وأصوات الإنذار والعمال المرتبكين.
وأكملت
فقط أغلقت حسابي بعد استقالتي.
صرخت ريم بعصبية
هذا تخريب!
ضحكتُ ضحكة قصيرة متعبة.
ثم نظرت مباشرة إلى ملفاتي التي كانت بين يديها وقلت
التخريب الحقيقي أن تسرقي ملفات شخص وتظني أن امتلاك الأوراق يعني فهم المصنع.
اختفت ابتسامتها فورًا.
فتحت الملف بسرعة وبدأت تقلب الصفحات بعشوائية، كأنها تبحث عن زر سحري يعيد كل شيء.
لكنها لم تفهم سطرًا واحدًا.
كانت الصفحات مليئة بالملاحظات البرمجية والاختصارات وتعليمات الطوارئ التي كتبتها بنفسي على مدار سنوات.
أسرار لا تُفهم بالحفظ.
بل بالعمر الذي ضاع داخل هذا المكان.
وفي الخلف
كان العمال يتجمعون قرب خطوط الإنتاج بصمت متوتر.
ثم سمعنا صوتًا آخر
خط الإنتاج الثالث توقف بالكامل!
ركض أحد المشرفين نحو سامر وهو يلهث
الشحنة الطبية الخاصة بوفد الخليج لم تعد تظهر في النظام!
تغير لون وجه سامر.
ماذا يعني لا تظهر؟!
يعني لا نستطيع إخراجها ولا طباعة بياناتها ولا اعتمادها للشحن!
بدأ العرق يظهر على جبينه.
فبعد أقل من ساعتين
كان وفد الخليج سيصل لتفقد المصنع والشحنة الجديدة الخاصة بالأجهزة الطبية.
وأي خطأ في تلك الشحنة
قد العقد كله.
اقترب مني سامر مرة أخرى وقال بصوت منخفض يحاول السيطرة على أعصابه
اسمعي يا أمينة لا تُكبّري الموضوع.
ضحكت بسخرية مريرة.
ثم قلت
أنا لم أصنع يا باشمهندس أنت صنعتها حين قررت أن الخبرة أصبحت عيبًا لأن صاحبتها تقدمت في السن.
حاول الإمساك بذراعي.
لكن فجأة ظهر ابني من جهة المستودعات وهو يقول بغضب
أبعد يدك عن أمي.
ساد توتر ثقيل.
حتى رجال الأمن الذين اقتربوا للتدخل
ترددوا.
كانوا يعرفونني جميعًا.
أحدهم عملتُ يومًا على منع خصم راتبه بعدما اتُّهم بإتلاف بضاعة.
والآخر كنتُ أنا من علّمته كيف يكتب تقارير الأعطال حتى لا يطرده المدير القديم.
نظر أحد رجال الأمن إلى سامر بخجل وقال
هي لم تكسر شيئًا يا باشمهندس.
أمينة المصنع فعلًا لن يعمل بدونك.
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة أمامي
وإلى العمال الواقفين بوجوه متوترة
ثم إلى بطاقة العمل القديمة الموضوعة أمامي فوق الطاولة.
اثنان وعشرون عامًا
انتهت بورقة استقالة.
وفجأة
رن هاتف سامر بصوت مرتفع.
فتح المكالمة بسرعة.
ثم تجمد وجهه تمامًا.
كان المتحدث من الإدارة العليا.
سمعناه يقول بعصبية
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
رفع سامر عينيه نحوي ببطء
بينما ساد الصمت داخل المصنع كله.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
أدرك الجميع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها دائمًا
أن المرأة التي سخروا من تجاعيد وجهها قبل ساعة واحدة
كانت وحدها تحمل المصنع كله فوق كتفيها.
ظلّ صوت الإدارة العليا يتردّد داخل المصنع كصفعةٍ ثقيلة
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
لم يتحرك أحد.
حتى سامر
بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
أغلق الهاتف ببطء، ثم نظر نحوي بعينين مضطربتين لأول مرة منذ عرفته.
وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا
الإدارة تريد التحدث معك.
لم أتحرك.
أخذت بطاقتي القديمة من فوق الطاولة، تأملت صورتي الباهتة عليها لثوانٍ، ثم وضعتها داخل حقيبتي.
قلت ببرود
لكنني لم أعد موظفة هنا.
ازدادت الفوضى حولنا.
أصوات الإنذارات.
العمال المتجمهرون.
أجهزة المسح المتوقفة.
ووفد الخليج الذي بدأ يتحرك داخل قسم الاستقبال دون أن يفهم أحد كيف يشرح له ما يحدث.
اقترب سامر خطوة أخرى وقال بتوتر واضح
أمينة أرجوكِ.
ضحكتُ بسخرية متعبة.
قبل ساعة فقط
كان وجهي لا يصلح لاستقبال العملاء.
والآن
أصبحوا يبحثون عني كأن المصنع يختنق بدوني.
رنّ هاتفي مرة أخرى.
هذه المرة
أجبت.
جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة أجنبية هادئة
الأستاذة أمينة؟ أنا هالة منصور من الإدارة الإقليمية.
صمتُّ.
فأكملت
نحتاج عودتك فورًا إلى النظام.
قلت ببرود
أنا استقلت.
نعلم ذلك.
إذن لماذا تتصلون بي؟
ساد صمت قصير
ثم قالت بصراحة
لأن المصنع متوقف بالكامل.
نظرت حولي.
إلى الوجوه المرتبكة.
إلى العمال الذين ينتظرون.
إلى ابني الواقف قرب المستودع وعيناه لا تفارقانني.
ثم قلت
هذا ليس خطئي.
نعرف.
ولأول مرة
شعرت أنهم يقولون الحقيقة فعلًا.
قالت هالة بهدوء
راجعت سجلات النظام منذ دقائق كل البنية الرئيسية مرتبطة بصلاحياتك القديمة.
ابتسمت بمرارة.
أخيرًا فهموا.
لكن بعد ماذا؟
قالت
نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية.
سألتها فورًا
بعقد رسمي؟
ترددت للحظة
ثم قالت
نعم.
رفعت عيني نحو سامر.
كان يراقبني بقلق شديد.
فقلت بوضوح
لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.
ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم.
نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة.
ثم أكملت
-
فستان الفرح 2 حكايات زهرةمنذ 3 أسابيع
-
فستان الفرح 3 حكايات زهرةمنذ 3 أسابيع
-
حكايتي مع ابني حكايات زهره 1منذ 3 أسابيع
-
أطعمتُه بيدي،منذ 3 أسابيع
كشخص أنقذ المصنع من حقيقية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بابتسامة مذهولة
اشتغل النظام
ثم أضاف هامسًا
كل شيء رجع.
لكنني لم أبتسم.
كنت أنظر فقط إلى الشحنة الموقوفة.







