
فتحتُ حقيبتي وأخرجت شيئًا آخر:
ذاكرة USB.
وضعتها على الطاولة، بجانب الكعكة التي لم تُمس، ومفرش الطاولة الملطخ بالصلصة.
-
اماني سيد ج 1منذ 6 أيام
-
ايد بنتي ٢ حكايات زهرة حصريمنذ 6 أيام
-
في ليلة فرحيمنذ 6 أيام
-
ستين كيلو ړعبمنذ أسبوع واحد
هنا تسجيلات صوتية لياسين وهو يصرخ في وجهي… مقاطع فيديو وهو يرمي عليّ أشياء… صور للكدمات التي أخفيتها بأكمام طويلة… ورسائل منكم تطلبون مني الطاعة إن أردت البقاء ضمن عائلة بن عمار.
تجهّم وجه حماي:
هذه أمور خاصة.
لا… الأذى هو ما كان خاصًا. أما الدليل… فهو عندي.
همس ياسين:
سمية…
لم يعد يبدو غاضبًا.
بدا صوته… مكشوفًا.
لكنني عشت سنوات مكشوفة أمام قسوته.
والآن… جاء دوره.
تحدث المحامي مرة أخرى:
سيدتي سمية، بناءً على ما سمعته، سيتم إخطار صندوق الاستثمار وتعليق اجتماع الإغلاق.
وضع سفيان يديه على رأسه:
لا… هذا سيدـ,ـمرنا!
قلت:
لا… هذا يكشفكم.
نهض الحاج عبد القادر أخيرًا:
ياسين… اعتذر.
يا له من أمر.
لم يقل: “ماذا فعلت؟”
لم يقل: “لقد ضـ,ـربت امرأة مسنّة.”
قال فقط: “اعتذر”.
كما لو أنه يطلب تنظيف بقعة.
التفت ياسين نحو أمي، وفكه يرتجف:
خالتي خديجة… أنا آسف.
نظرت إليه أمي بهدوء:
“لا أريد غفرانك يا بني… أريد فقط ألا ترفع يدك على ابنتي مرة أخرى.”
كان الصمت عميقًا… لدرجة أنه كاد يبكيني.
أمسكتُ بيدها:
دعينا نذهب.
سدّ ياسين الطريق:
لن تغادري هذا البيت وأنتِ تأخذين أوراقي وسمعتي ومستقبلي معك.
نظرتُ إليه مباشرة:
أنت من ضرب مستقبلك بيدك.
صرخ حماي:
ابتعد عن الطريق يا ياسين!
تنحّى… لكن ليس بسببي.
بل بسبب والده.
كالعادة.
غادرنا تلك الفيلا الفاخرة بحي هيدرة دون وداع.
كانت ليلة باردة. اختلطت رائحة الشارع بين المطر الخفيف والبنزين. كانت أمي تمشي مرفوعة الرأس… لكن يدها كانت ترتجف.
بمجرد أن ركبنا السيارة… انهارت.
لم تصرخ.
لم تفتعل مشهدًا.
غطّت وجهها… وبدأت تبكي، كما يبكي من يجد أخيرًا مكانًا آمنًا.
آلمني ذلك.
المرأة التي تحملت الجوع والمرض لتربيني.
المرأة التي أرهقت يديها في تنظيف بيوت الآخرين… حتى لا أنحني يومًا.
وأنا… وضعتها بين الذئاب.
قلت:
“سامحيني يا أمي.”
هزّت رأسها وهي تبكي:
لا يا ابنتي… سامحيني أنا. كان يجب أن أبقى صامتة.
غضبت:
لا… لا تعتذري لي لأنك دافعتِ عني.
نظرت إليّ.
كان خدّها قد أصبح بنفسجيًا.
وماذا ستفعلين الآن؟
شغّلت السيارة:
ما كان يجب أن أفعله منذ سنوات.
ذهبنا أولًا إلى الطبيب.
ثم إلى النيابة.
لم ترغب أمي في تقديم بلاغ.
قالت إن لا داعي… وأن الأثرياء دائمًا يجدون مخرجًا.
أجبت:
لهذا السبب تحديدًا… يجب أن يُكشف الأمر.
استغرق الأمر ساعات.
أسئلة.
صور.
تقارير.
كررت أمي القصة… وصوتها يزداد قوة.
وعندما سُئلت إن كانت تريد إضافة شيء، رفعت رأسها وقالت:
لم يضربني لأني أهنته… بل لأنه ظن أنه يستطيع.
توقفت الموظفة عن الكتابة للحظة.
ثم قالت:
هذا مثبت.
بدت الجملة صغيرة… لكنها كانت عظيمة.
تم إثباته.
ما كان يُدفن بالصمت… كُتب أخيرًا.
وصلنا إلى شقتي عند الفجر… لا إلى بيت ياسين.
كنت أملكها قبل الزواج… من مالي الخاص.
كان يسخر منها دائمًا، ويسميها “بيت العانس”.
لكن في تلك الليلة… كانت الأمان.
نمنا معًا… كما كنا نفعل عندما كنت طفلة.
لكن هذه المرة… لم يكن الرعد في السماء.
كان في حياتي.
كان انهـ,ـيار زواجي.
بدأت المكالمات في الساعة السابعة صباحًا؛ اتصل ياسين، ثم حماتي، ثم فؤاد، ثم كريم، ثم سفيان، وأخيرًا الحاج عبد القادر، لكنني لم أجب على أي منهم، واكتفيت بإرسال كل شيء إلى محاميّ، نعم… كان لديّ محامٍ أيضًا.
لم أرتجل في تلك الليلة، فقد كنتُ لأشهر أجمع الأدلة، ولأشهر كنت أدرك أن ياسين لن يتغير، وكنت أنتظر اللحظة المناسبة للرحيل دون أن أمنحه فرصة ليقول إنني امرأة مبالِغة أو مجنونة.
لم أتخيل يومًا أن تأتي تلك اللحظة وعلامة واضحة على خد خديجة… لكنها جاءت.
وبحلول منتصف النهار، كانت الأخبار قد وصلت بالفعل إلى الجهات المناسبة، فأُلغي حفل التوقيع، ودخلت مجموعة بن عمار مرحلة المراجعة، وتم تعليق إصدار الأسهم للأشقاء الثلاثة، أما الصندوق العائلي ذلك الوحش الأنيق الذي أطعم أبناءً بلا مسؤولية لسنوات فقد فعّل بندًا لم يكلّفوا أنفسهم عناء قراءته، لأنهم ظنوا أن السمعة تُشترى بالبدلات.
كان البند واضحًا: في حال وجود سلوك عنيف موثّق من أحد المستفيدين أو أزواجهم خلال مرحلة إغلاق التركة، يتم تعليق نقل الأسهم إلى حين إجراء تقييم مستقل.
وببساطة شديدة: ضـ,ـرب ياسين أمي… فخسر إخوته مفتاح ثروتهم.
في ذلك اليوم، ظهر فؤاد عند باب شقتي، رأيته عبر الكاميرا، ربطة عنقه مرتخية، وعيناه حمراوان، ويبدو عليه يأس لم أره من قبل إلا على وجوه من كان يحتقرهم.
قال بصوت متوسل: “سمية، من فضلكِ افتحي الباب.” لكنني لم أفعل، واكتفيت بالرد عبر جهاز الاتصال: “قل ما لديك.”
أخبرني أن قرضه ينتهي غدًا، وأنه سيخسر مبناه إن لم تُفرج الأسهم، فأجبته ببرود: “مؤسف.” حاول تبرير نفسه قائلاً إنه لم يضرب أمي، فذكّرته بأنه ضحك، فصمت، ثم تمتم باعتذار خافت، فقلت له: “أخبرها بذلك.”
طلب أن يراها، فنظرت إلى خديجة الجالسة على الأريكة والثلج يغطي وجهها، ثم قلت: “هي لا تريد رؤيتك.” تنفّس بعمق وقال: “نحن عائلة.” اقتربت من الجهاز وقلت: “لا… كنتم قفصًا يحمل اسم عائلة.” ثم أغلقت الخط.
أرسل كريم باقة زهور، فألقتها أمي في سلة المهملات، وكتب سفيان رسالة طويلة يحاول فيها تبرير صمته، فأجبته بجملة واحدة: “الخوف لم يمنعك من الاستفادة.” ولم يكتب بعدها.
في اليوم الثالث، ظهر ياسين… لا أمامي، بل في فيديو أرسلته حماتي، كان يجلس في غرفة الطعام، بوجه متعب وصوت محسوب، وقال إنه مستعد للعلاج والاعتذار، لكنه طلب ألا أدـ,ـمّر إخوته، وكأن ما حدث “مشاكلنا” نحن.
ضحكت.
ثم سجلت ردّي، بلا مكياج ولا زينة، بينما كانت خديجة في الخلفية تُعد القهوة وكأن الحياة لم تتوقف، وقلت له بوضوح: أنتم لم تخسروا بسببي، بل لأنكم اعتدتم العنف حتى أصبح طبيعيًا، صمتّم لأنه يخدمكم، وبرّرتموه لأنه يحفظ سلطتكم، ولم يتحرك أحد إلا عندما أصبح المال مهددًا، ثم أنهيت حديثي: “لم أدمّر عائلتك… أنا فقط توقفت عن دعمها.”
في اليوم التالي، رفعت دعوى الطلاق، مع اتخاذ إجراءات وقائية، وتقديم شـ,ـكوى بالعنـ,ـف، وطلب فصل الأصول وتجميد أي محاولة للتلاعب بها.
فعل ياسين ما يفعله دائمًا: أنكر، ثم قلل من الأمر، ثم ألقى اللوم على أمي، ثم اتهـ,ـمني بالتخطيط، وأخيرًا… اعتذر عندما أدرك أن الأدلة موجودة، فالتوبة عند أمثاله تمر بمراحل مريحة.








