“حقيقةٌ وُلدت في غرفة الولادة: كيف غير طفلٌ مسار عائلة العبيدي؟”

حي؟
حي.
نظرت إلى ابني.
لم أشعر بفرح صافٍ.
شعرت بالخوف.
لأن الرجل الذي كرهته سبعة أشهر صار ضحية.
وهذا لا يمحو وحدتي.
لا يعيد الليالي التي بكيت فيها.
لا يدفع عني تعب المطعم.
لكنه غيّر شكل الجرح.
طلب سيف أن يراني بعد ثلاثة أيام.
قلت لا.
ثم قلت نعم.
ذهبت إلى المستشفى وغيث بين ذراعي، وخالتي أمينة إلى جانبي، امرأة قوية من مدينة الصدر لا تخاف الأسماء الكبيرة ولا العائلات المعروفة.
قالت لي قبل أن ندخل
إذا نظر إليكِ بطريقة لا تعجبني، سأرمي عليه حقيبة الطفل.
كدت أبتسم.
كان سيف في غرفة بيضاء.
نحيفًا.
بلحية خفيفة.
وعينين غائرتين.
عندما رآني حاول النهوض.
قال
زهراء
اسمي في فمه جعلني أرتجف.
ليس حبًا فقط.
بل بسبب كل شيء.
قلت
لا تنهض.
نظر إليّ كأنني الشيء الحقيقي الوحيد بعد كابوس طويل.
قال
قالوا لي إنك متِّ.
أجبته
وأنا تركتني حية.
وصلت إليه الجملة.
خفض عينيه.
في تلك الليلة ذهبت إلى بيت أهلي. كنت أريد أن أطلب المساعدة. كنت أنوي العودة إليك في اليوم التالي. أمي قالت لي إن عليّ أن أرتاح أولًا. أعطتني
شيئًا أشربه. وبعدها استيقظت في مكان آخر.
غطى وجهه بيديه.
كانوا يُرونني رسائل. يقولون إنك متِّ. وإن الطفل مات. وإنني السبب. لم أعد أعرف ما الحقيقة. أحيانًا كنت أتذكر صوتك وأظن أنني أفقد عقلي.
لم أبكِ.
كنت قد بكيت كثيرًا بسبب غيابه.
قلت
وأنا ظننت أنك تركتني.
قال
أعرف.
قلت بحدة
لا، لا تعرف. لا تعرف معنى أن تدخل امرأة غرفة الولادة وحدها وتكذب وهي تقول إن زوجها سيأتي بعد قليل.
بكى سيف.
لكنه لم يقترب.
وكان ذلك الشيء الصحيح الوحيد الذي فعله.
قال
سامحيني.
قلت
لا أستطيع أن أعطيك هذا اليوم.
أفهم.
رفعت غيث قليلًا.
اسمه غيث الكعبي.
نظر إليه سيف.
وتكسر العالم كله في وجهه.
رأى العلامة.
رأى دمه.
رأى ابنه.
لكنه لم يمد يديه.
سأل فقط
هل يمكنني
-
اختي التوأممنذ 3 أيام
-
بابا حط حاجه في الشاي لماما حكايات نور محمدمنذ أسبوعين
-
حماتي كل ما اطبخمنذ أسبوعين
-
اخويا عنده متلازمة داونمنذ أسبوعين
أن أتعرف إليه عندما تسمحين أنتِ؟
عندها، توقف جزء صغير داخلي عن الدفاع للحظة.
قلت
هذا يُكتسب.
قال
سأكسبه.
لم أصدقه.
لكنني لم أكرهه بالطريقة نفسها.
كانت الأشهر التالية صعبة.
واجهت سناء قضايا احتجاز، وتزوير، وتهديد، وكل ما كشفه التحقيق بعد ذلك.
ظهر أطباء مأجورون، وأوراق مزيفة، وشبكة خدمات ورشاوى تفوح منها رائحة المال القديم والخوف.
شهد الدكتور عدنان ضد زوجته.
وفي كل مرة كان يخرج من مركز التحقيق، بدا كأنه يحمل كيسًا ثقيلًا لا يراه أحد.
أما سيف فدخل علاجًا طويلًا.
فحوصات.
جلسات.
ليالٍ مفزعة.
وذاكرة ممزقة.
أما أنا، فعدت إلى العمل تدريجيًا، لكنني لم أعد أغسل الصحون حتى الفجر.
عرض الدكتور عدنان المساعدة.
رفضت في البداية.
ثم فهمت أن الكرامة ليست في أن أرفض دعمًا لابني.
الكرامة أن أضع شروطي.
قلت له
لا شيء باسمي دون أوراق. ولا هدايا تتحول لاحقًا إلى سلطة.
وافق.
ساعدني في استئجار شقة صغيرة قريبة من المستشفى.
ليست فاخرة.
لكنها آمنة.
دخلت خالتي أمينة وفحصت النوافذ والأبواب قبل أن تسمح لي بالبقاء.
قالت
صغيرة لكنها لا تتسع لحماة غنية بنيات سيئة.
كبر غيث قويًا.
يبكي كثيرًا.
يجوع بسرعة.
وعنيدًا كأنه ورث العناد من كل العائلة دفعة واحدة.
في شهره الثالث ابتسم لأول مرة وهو ينظر إلى ظل على الجدار.
وفي شهره الرابع، حمله سيف أخيرًا.
كنت واقفة بجانبه، وذراعاي مستعدتان لأخذه في أي لحظة.
بكى سيف بصمت.
قال
مرحبًا يا ابني سامحني لأنني تأخرت.
نظرت من النافذة.
كان المطر ينزل فوق بغداد.
فوق السيارات.
فوق الشوارع المزدحمة.
فوق الناس الذين يركضون تحت المظلات.
كانت المدينة ما تزال حية.
صاخبة.
قاسية.
وجميلة بطريقتها.
لم أكن أعرف إن كان لي أنا وسيف مستقبل.
ولم أكن أعرف إن كنت سأستطيع يومًا أن أحب دون أن أتذكر سرير الولادة الفارغ بجانبي.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا.
ابني لم يولد متروكًا.
وُلد داخل حقيقة تأخرت كثيرًا لكنها وصلت.
وأنا، التي دخلت المستشفى وحدي، خرجت من تلك القصة وأنا أفهم أن الوحدة لا تعني دائمًا ألا يكون حولك أحد.
أحيانًا تعني أن تكون أنت أول من يبقى.
أول من يصدق.
أول من يحمل الطفل عندما يضيع الجميع.
كان غيث نائمًا فوق صدري.
وتحت أذنه علامة الهلال الصغيرة.
ليست علامة عائلة قوية.
ولا ختمًا لاسم كبير.
بل وعدًا.
أن لا كذبة، مهما كبرت، ستقرر عنه من يحبه ومن يستحق أن يعود إليه.








