روايات وقصص

طفلة صغيرة

كانت زينب تتابع الأطفال واحدًا واحدًا.
وفي الصفحة الأخيرة تقريبًا وجدت اسمًا جعلني أتوقف.
كريم.
رفعت رأسي ببطء.
ثم عدت أنظر إلى الكلمة.
كريم.
ابن عمتي.
الرجل الذي كان يدير جزءًا من أعمال العائلة.
والذي ظهر بعد وفاة زينب مباشرة وكأنه وصي على كل شيء.
تحت الاسم كانت هناك جملة قصيرة.
جاء اليوم مع المديرة.
قلبت الصفحة التالية فوجدت الاسم نفسه.
كريم مرة أخرى.
وفي صفحة أخرى
كريم

أخذ الملف.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
لماذا يتكرر اسمه؟
وما علاقته أصلًا بدار الرعاية؟
في اليوم التالي اتصلت به.
وأخبرته أنني أرتب بعض أوراق زينب القديمة.
ساد صمت قصير.
قصير جدًا.
لكنه كان كافيًا. ثم قال
بعد كل هذه السنوات؟
نعم.
لا فائدة من نبش الماضي يا نادية.
ابتسمت رغم أنني لم أكن أراه.
وقلت
مجرد ذكريات.
لكن صوته تغير.
وقال
زينب رحلت.
اتركيها ترتاح.
أغلقت الهاتف.
وأنا أشعر للمرة الأولى أن كريم لا يخشى الماضي.
بل يخشى ما قد أجده فيه.
في المساء عدت إلى الدفتر وقلبت صفحاته ببطء.
حتى وصلت إلى ظرف ورقي صغير كان مخبأ بين الأوراق.
فتحته.
فوجدت داخله نسخة من وثيقة قانونية.
بدأت أقرأ وفي كل سطر كان وجهي يزداد شحوبًا.
كانت وصية والدي.
لكنها لم تكن النسخة التي أعرفها.. هذه نسخة معدلة.
مؤرخة قبل وفاة زينب بأشهر قليلة فقط.
والأخطر من ذلك أن بندًا كاملًا أضيف إليها.
بند ينص على نقل إدارة جزء كبير من ميراث زينب إلى كريم بحجة عدم قدرتها على إدارة أموالها بنفسها.
توقفت أنفاسي.
لأن زينب لم توافق يومًا على ذلك.
ولأنها كانت ترفض الوصاية أصلًا.
ولأن توقيعها في أسفل الصفحة…
لم يكن يشبه توقيعها الحقيقي.
والأغرب من ذلك أن الصفحة الأخيرة لم تحمل أي ختم تسجيل رسمي.
أغلقت الملف ببطء ونظرت إلى الفراغ أمامي.
الآن لم تعد القضية مجرد دار رعاية.
ولم تعد مجرد طفلة اسمها مريم.
أختي كانت تحقق في شيء ما.
وكريم كان موجودًا في الصورة أكثر مما ينبغي.
أما السؤال الذي جعل النوم يهرب من عيني تلك الليلة…
فكان سؤالًا واحدًا فقط
هل ماتت زينب فعلًا بسبب خطأ طبي
بقيت مستيقظة حتى الفجر.
والوصية المعدلة أمامي.
والدفتر القديم بجانبي.
وصورة زينب ومريم بين يدي.
ولأول مرة منذ خمس سنوات لم أشعر بالحزن فقط.
شعرت بالغضب.
غضب بارد.
هادئ.
وخطر.
لأنني بدأت أرى صورة لم أكن أراها من قبل.
كل طريق أسلكه ينتهي عند اسم واحد.
كريم.
أغلقت الدفتر.
ثم فتحته مجددًا.
وأعدت قراءة كل الصفحات من البداية.
هذه المرة لم أبحث عن الأطفال.
بل بحثت عن كريم.
وكان موجودًا أكثر مما توقعت.
كريم جاء اليوم.
كريم مع المديرة.
كريم أخذ الملف.
كريم قال لا أسأل.
جمل قصيرة.
مبعثرة.
لكنها كانت تتكرر بصورة مريبة.
ومع كل صفحة كنت أشعر أن زينب كانت تحاول أن تترك أثرًا يقود إليه.
وفي الصباح اتصلت بمحامٍ قديم كان صديقًا لوالدي.
وأرسلت له صورة الوصية.
وبعد ساعات فقط عاد إليّ صوته متوترًا.
وقال
من أين حصلتِ على هذه النسخة؟
لماذا؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
لأن التوقيع لا يبدو صحيحًا.
أغمضت عيني.
كنت أعرف ذلك.
والأخطر أن هذا التعديل لم يُسجل بالطريقة القانونية المعتادة.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن هناك شيئًا يستحق التحقيق.
أغلقت الهاتف.
ونظرت إلى صورة زينب.
ثم همست
سأكمل يا أختي.
أعدك.
في اليوم التالي عدت إلى دار الرعاية للمرة الثالثة.
لكن هذه المرة كانت المديرة أكثر توترًا من أي وقت مضى.
وعندما رأتني قالت مباشرة
مريم مشغولة اليوم.
ابتسمت.
وقلت
لم أسأل عنها بعد.
فارتبكت.
ولم تعرف ماذا تقول.
في تلك اللحظة فقط تأكدت أن خوفها لم يعد من الأسئلة.
بل من الإجابات.
بعد دقائق استطعت الجلوس مع مريم وحدها داخل غرفة الرسم.
كانت تمسك مجموعة أقلام ملونة.
وترسم بيتًا صغيرًا.
وشجرة.
وطفلتين.
جلست بجانبها.
وأخرجت صورة زينب.
فابتسمت فورًا.
ثم سألتها بهدوء
هل تتذكرين آخر مرة رأيتِ فيها زينب؟
توقفت يدها.
ثم أومأت.
كانت تبكي.
هل كان أحد معها؟
رفعت رأسها.
وفكرت طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى ظننت أنها لن تجيب.
ثم قالت
كريم جعلها تبكي.. تصرخ
بعدها مباشرة توجهت إلى المحامي.
ثم إلى الشرطة.
ثم بدأت التحقيقات الرسمية.
في البداية حاول كريم السخرية من الأمر كله.
وقال إنني أتخيل.
وأن حزني على أختي جعلني أبحث عن مؤامرات غير موجودة.
لكن الأدلة بدأت تتجمع بسرعة.
نسخ الوصية.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى