
أما رغدة…
رجعت شقتها الصغيرة.
بصت حواليها.
كان فيها تكييف واحد، وفرش قديم، لكن لأول مرة حست إنها في مكان يخصها، ومافيهوش كدب ولا خيانة.
وفي آخر الليل…
سمعت خبط على الباب.
فتحت…
ولقت يوسف واقف لوحده، عينيه حمرا من كتر البكا، وفي إيده ظرف أبيض.
قال بصوت مكسور
أنا مش جاي أطلب تسامح… أنا جاي أسلمك ده.
ناولها الظرف، ولف ومشي من غير ما يستنى رد.
رغدة قفلت الباب، وفتحت الظرف ببطء…
وكانت الصدمة…
داخله كانت ورقة طلاق موقعة منه،
ومعاها مفتاح الشقة الجديدة، ورسالة قصيرة مكتوب فيها
أنا خسرتك يوم ما صدقت غيري، والشقة دي عمري ما هتصلح اللي اتكسر… لكن أقل حق ليكي إنك متدفعيش تمن خيانتي.
وقفت رغدة تبص للمفتاح طويلًا…
ثم ابتسمت لأول مرة منذ شهور، لأنها أدركت أن بعض النهايات المؤلمة… هي في الحقيقة بداية لحياة أفضل رغدة فضلت ماسكة المفتاح في إيدها، وباصّة له كأنه أغرب حاجة شافتها في حياتها.
لكن بعد ثواني، حطته على الترابيزة وقالت لنفسها
اللي اتكسر بيني وبينه… لا شقة ولا عمارة هتصلحه.
تاني يوم الصبح، لبست وراحت لمحاميها.
حطت قدامه ورقة الطلاق ومفتاح الشقة.
المحامي ابتسم وقال
إيه رأيك؟ هتتنازلي عن كل القضايا وخلاص؟
قالت بحزم
لأ… أنا هاخد حقي بالقانون، مش عشان الفلوس… عشان محدش يعمل في ست تانية اللي اتعمل فيا.
وبدأت جلسات المحكمة.
في أول جلسة، حضر يوسف، ومي كمان كانت موجودة بعد ما رفعت قضية فسخ زواج بسبب التدليس، لأن يوسف أخفى عنها زواجه الأول.
أما حماته، فكانت كل جلسة تدخل وهي رافعة راسها، لكن مع كل ورقة جديدة كان المحامي يقدمها، كانت ثقتها بتنهار.
وفي الجلسة الأخيرة…
وقف القاضي وقال
بعد الاطلاع على المستندات وسماع الشهود…
وساد الصمت في القاعة.
حتى الأنفاس كانت مسموعة.
ثم نطق بالحكم.
أثبت حق رغدة في مستحقاتها الزوجية كاملة، وألزم يوسف بها، وأحال ملف للنيابة للتحقيق، مع الفصل في نزاع ملكية العقار في دعوى مستقلة.
خرجت رغدة من المحكمة وهي حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من على قلبها.
في الخارج، لقيت يوسف مستنيها.
قال بصوت واطي
عارف إنك مستحيل تسامحيني… بس أنا ندمان.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
الندم بيرجع لصاحبه راحته… لكنه مش بيرجع لغيره عمره.
وسابته ومشيت.
بعد سنة…
افتتحت رغدة مشروعًا صغيرًا كانت بتحلم بيه من زمان.
كبر المشروع، وبقى مصدر رزقها وفخرها.
وفي يوم، وهي واقفة في محلها، دخلت سيدة كبيرة في السن.
بصتلها كويس…
كانت حماتها.
لكنها ما
-
اختي التوأممنذ 3 أيام
-
بابا حط حاجه في الشاي لماما حكايات نور محمدمنذ أسبوعين
-
حماتي كل ما اطبخمنذ أسبوعين
-
اخويا عنده متلازمة داونمنذ أسبوعين
كانتش بنفس الهيئة.
ملامحها تعبانة، وشعرها كله شاب.
قربت منها وقالت والدموع في عينيها
سامحيني يا بنتي… أنا خسرت ابني… وخسرت بيتي… وخسرتك.
رغدة سكتت لحظات، ثم ردت بهدوء
أنا مسامحاكي لوجه الله… لكن اللي فات عمره ما هيرجع.
خرجت حماتها وهي تبكي.
أما رغدة، فبصت من شباك محلها للشارع، وابتسمت.
لأنها أخيرًا فهمت أن أقوى انتقام من الظلم… ليس الانتقام نفسه، بل أن تنجح وتعيش بسلام، بينما يظل من ظلمك يواجه نتائج أفعاله.
بعد ما خرجت حماتها من المحل، رغدة كانت هتقفل الباب…
لكن قبل ما تلف المفتاح، دخل شاب أنيق في أواخر الثلاثينات، لابس بدلة، وفي إيده ملف.
وقف قدامها وقال
حضرتك الأستاذة رغدة؟
قالت باستغراب
أيوه.
مد لها كارت وقال
أنا المستشار القانوني لشركة استثمار عقاري… وجاي بسبب قضية البيت.
رغدة اتجمدت.
افتكرت إن القضية خلصت.
قالت
القاضي لسه مأجل دعوى الملكية.
ابتسم وقال
وده اللي جاي أكلمك فيه… لأن في مستند جديد ظهر قلب القضية كلها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
مستند إيه؟
فتح الملف، وطلع خريطة قديمة للعقار، وعقد رسمي مختوم.
وقال
العقار اللي فيه شقة حماتك… اتضح إنه داخل ضمن قطعة أرض أكبر.
سكت لحظة، ثم كمل
وشركة كبيرة اشترت الأرض كلها بمبلغ ضخم… لكن في مشكلة.
رغدة همست
إيه هي؟
قال وهو بيبصلها مباشرة
مستحيل البيع يتم إلا بعد توقيع كل الملاك… واسمك موجود ضمن الملاك الرسميين.
رغدة حست إن رجلها مش شايلاها.
قالت
يعني أنا ليا نصيب؟
رد بهدوء
أكتر مما تتخيلي.
وفي نفس اللحظة…
تليفونها رن.
كان يوسف.
ترددت ترد…
ثم ردت.
أول ما سمعت صوته، حسّت إنه بينهج.
قال بسرعة
قبل ما تسأله أي حاجة…
سمعت صوت بصت من واجهة المحل…
فلقت عربية سوداء وقفت فجأة.
ونزل منها ثلاثة رجال، واتجهوا مباشرة نحو باب المحل…
وأول واحد فيهم قال بصوت مرتفع
إحنا جايين ناخد الملف… !أول ما سمعت رغدة الجملة، قلبها وقع.
بصت للمحامي، لقيته وشه اتغير فجأة.
همس لها بسرعة
اقفلي باب المكتب… حالًا.
لكن قبل ما توصل للمفتاح…








