
ساعتها فهمت إن أمي ما عملتش الفستان ده عشان تسيبلي ذكرى وبس
كانت مخبية جواه سرًا حماتي عاشت سنين وهي فاكرة إنه مات معاها.
حكايات بسمه
في اللحظة التي صرخت فيها حماتي بتلك النبرة المرعوبة، شعرت وكأن الغرفة بأكملها قد تجمدت، الهواء صار ثقيلًا والأنفاس محبوسة في الصدور. نظرتُ إلى الظرف الصغير القديم الذي كانت تمسكه أخت جوزي بيديها المرتجفتين، ثم وجهت نظري إلى حماتي التي تحول وجهها في ثوانٍ معدودة من ملامح الكبر والانتصار إلى مياه راكدة من الخوف والهلع، وكانت تتقدم نحونا بخطوات مهزوزة وكأنها تحاول خطف الظرف قبل أن تلمسه أصابعي.
لكنني كنت أسرع منها، مددت يدي وخطفت الورقة من يد أخت جوزي، وتراجعت خطوتين إلى الوراء وأنا أنظر لحماتي بنظرة جعلتها تتوقف مكانها.
جوزي دخل الغرفة على صوت صراخ أمه، ونظر إلينا باستهجان وقال بعصبية في إيه؟ صوتكم جايب آخر الشارع ليه؟ وأنتِ ماسكة إيه في إيدك؟ نظرت إليه وقلت ببرود لم أعهده في نفسي من قبل ماسكة سر أمك اللي كانت مستعدة تخرب بيتي وتاخد فستان أمي الله يرحمها عشان تداريه.
حماتي بدأت تبكي بهستيريا وتصيح يا ابني خليهم يرجعوا الفستان، البت دي هتبوظ العيلة، الورقة دي كدب، أمها كانت ست مريضة ومش واعية بتقول إيه قبل ما تموت.
هنا شعرت بقوة غريبة تدب في أوصالي، لم أعد أرى أمامي سوى صورة أمي وهي تتألم في أيامها الأخيرة، وهي تصر على إمساك الإبرة والخيط وإصابعها تنزف لتكمل هذا الفستان بالذات، وتوصيني ألا أفرط فيه أبدًا. فتحت الظرف ببطء شديد، وخرجت منه ورقة مطوية بعناية فائقة، وبداية السطور كانت بخط أمي الواضح والمألوف لقلبي، بدأت أقرأ بصوت مرتفع ليسمع الجميع، وكانت الكلمات تقول يا بنتي يا بسمة، إذا وصلتِ لقراءة هذه السطور، فهذا يعني أن حماتك سعاد قد نفذت غدرها وحاولت أخذ هذا الفستان منكِ بحجة إعطائه لابنتها أو ادعاء أنه أعجبها، لأنها تعلم جيدًا قيمة ما يحتويه. يا بنتي، حماتك لم تكن مجرد جارة قديمة لي كما توهمك، بل كانت السبب في دمار مشروعي القديم وسرقة كل تصميماتي وأموالي التي بدأت بها حياتي، وفي بطانة هذا الفستان خيطت لكِ عقود الملكية الأصلية للمشغل الكبير الذي تديره هي وابنها الآن ويقولون إنه ملكهم الخاص، بالإضافة إلى إيصال أمانة وشيكات بنكية
موقعة بخط يدها وتصمميها الأصلي، سرقته مني عندما كنت في المستشفى أصارع المرض. لقد كتبت كل شيء باسمكِ وأخفيته هنا لأنني كنت أعلم أنها ستفتش بيتي بعد موتي، ولم تجد سوى هذا الفستان الذي ظنت أنه مجرد قماش قديم.
سقطت الكلمات على مسامع زوجي كالصاعقة، التفت إلى أمه وقال بصدمة ماما! الكلام ده حقيقي؟ المشغل اللي إحنا عايشين من خيره وبتقولي إنك بنيتيه بشقاكي وتعبك، طلع ملك لأم بسمة؟ حماتي سقطت على المقعد وهي تخبي وجهها بيديها وتقول بنحيب كانت هددتني، كانت هتقول للناس كلها إني سرقتها، أنا بس أخدت فكرتها وطورتها، الفستان ده كان لازم يختفي عشان العقود دي تفضل مدفونة!
نظرتُ إلى أخت جوزي التي كانت تبكي بحرقة، وقالت لي بصوت متقطع أنا آسفة يا بسمة.. واللّه العظيم ما كنت أعرف، ماما هي اللي فضلت تزن عليا أخد الفستان ده بالذات والبسّه في الخطوبة، وتقولي قصريه وغيري شكله عشان ميبقاش باين، مكنتش أعرف إنها بتستغلني عشان تدمر أثر أمك وتخفي سرقتها.
التفتُّ إلى زوجي وقلت له وعيناي
-
انا وعيلتى حكايات بسمهمنذ أسبوع واحد
-
حمايا حكايات زهرة حصريمنذ أسبوع واحد
-
بعد أربع بناتمنذ أسبوع واحد
-
رجل عجوزمنذ أسبوع واحد
تلمعان بالدموع لكنها دموع الانتصار شفت بقى الفستان القديم اللي كنت عايزني أعتذر بسببه؟ شفت حتة القماش اللي كنت مستعد تخسرني وتكسر بخاطري عشانها؟ أمك سرقت أمي وهي على فراش الموت، وعيشتكم في عز من شقى أمي، وجايين النهارده بكل جوارحكم تلوموني لأني زعلت على ذكراها الوحيدة!
زوجي حاول يقترب مني ويمسك يدي ويقول يا بسمة اهدي، إحنا ملناش ذنب، أنا مكنتش أعرف حاجة عن الماضي ده، خلينا نحل الموضوع ودي وبلاش نخرب بيتنا. نظرت إليه بقرف وقلت بيتنا؟ البيت ده اتبنى بفلوس حرام، من شقى أمي اللي ماتت وهي مقهورة بسبب سرقة عمرها.
أما بخصوص فستان فرح أختك اللي بقالي 6 شهور بطرزه بإيدي وبسهر عليه الليالي، فمن اللحظة دي الفستان ده هيتقطع حتت قدام عيونكم، ومش هتشوفوا منه فتلة واحدة.
حماتي صرخت حرام عليكي بنتي ذنبها إيه فرحها بعد شهرين والناس كلها عارفة إنك بتصممي لها الفستان! قلت لها بنتك ذنبها إنها شربت من فلوس الحرام اللي سرقتيها، وذنبها إنها مدت إيدها على حاجة مش بتاعتها وبوظت فستان أمي.
في اليوم التالي، لم أنتظر ثانية واحدة، أخذت العقود والأوراق الأصلية التي استخرجتها الخياطة من بطانة الفستان، وذهبت برفقة محامي مختص إلى قسم الشرطة والشهر العقاري، وقدمت بلاغًا رسميًا مدعمًا بالمستندات التي تثبت ملكية أمي للمشغل والعلامة التجارية التي تتربح منها حماتي وزوجي منذ سنوات، وطالبت بالحجز التحفظي على المشغل وكل الحسابات البنكية المرتبطة به.
خلال أيام قليلة، انقلبت حياتهم رأسا على عقب، صدر قرار رسمي من المحكمة بالتحفظ على المشغل وإيقاف كافة الأنشطة التجاريّة لحين البت في القضية، وأصبح زوجي وأمه مهددين بالسجن بتهمة التزوير واستغلال الأمانة والسرقة.
وجاءني زوجي يركع عند قدمي ويبكي ويترجاني أن أتخلى عن القضية ويعدني بأن يكتب لي نصف المشغل باسمي، فنظرت إليه ببرود وقلت له أنا مش هاخد نصيب، أنا هاخد حقي وحق أمي بالكامل، وإنت مالكش مكان في حياتي بعد النهارده، ورقة طلاقي توصلني لحد عندي، وإلا هضيف قضايا تبديد لمستحقاتي في بيتك.
أخت جوزي انهار فرحها تمامًا، لأن العريس وعائلته عندما علموا بالفضيحة وقصة السرقة والتحفظ على أموالهم، قرروا الانسحاب وإلغاء الخطوبة والفرح فورًا، خوفًا على سمعتهم من أن يرتبطوا بعائلة سرقت امرأة مريضة على فراش الموت. وجلست حماتي في بيتها تبكي حظها وشرفها الذي ضاع بين الناس، بعد أن كانت تتفاخر بالمشغل والمال والمظاهر الكاذبة.
أما أنا، فقد أخذت فستان أمي المقطوع، وذهبت به إلى أكبر مصممة أزياء، وطلبت منها أن تعيد ترميمه وتصلحه بأفضل طريقة ممكنة، ليس لألبسه، بل لأضعه في واجهة المشغل الكبير الذي استرددته بقوة القانون وبخط يد أمي.
وكتبت لافتة كبيرة على باب المشغل باسم أمي الراحلة، ليعلم الجميع أن الحق قد يعود ولو بعد حين، وأن الظلم ظلمات، وأن الخيط والإبرة اللذين كانت أمي تغزل بهما وهما ترتعشان، كانا الخيط الذي لف حول رقاب الخونة واللصوص وأعاد العدالة لأصحابها.
وعشت بعد ذلك راسي مرفوعة في السماء، محاطة بسيرة أمي العطرة، وندمت حماتي وزوجها في السجون والفقر على ليلة
مدوا فيها أيديهم على ما لا يملكون.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








